بقلم سعيد حجي
في هذا العالم المتشظي، حيث تتناسل الاصوات وتتعدد الواجهات، يعيش الانسان معلقا بين الالف وجه ووجه، يركض في كل اتجاه، يسابق ظله، يحاول ان يدرك المعنى خلف كل حركة، لكنه غالبا ما يعود بخيبة ثقيلة.. يعود منهكا، فارغا، رغم كل الصخب…
الزمن الحديث، كما تصفه كثير من النظريات السوسيولوجية، لا يتيح للذات استقرارا داخليا. فالفرد اليوم محاصر بثقافة “الثعلب”، حيث الكل يعرف قليلا عن كل شيء، يتقن القفز من مجال الى مجال، من حرفة الى اخرى، من فكرة الى نقيضها، لكن دون ان يتجذر في شيء.. دون ان يتوحد مع فكرة واحدة تشكل له مرساة في هذا البحر الهادر…
هنا تظهر “نظرية القنفذ” كفكرة بسيطة، لكنها محملة بأبعاد عميقة. القنفذ لا يعرف الا شيئا واحدا، لكنه يعرفه جيدا. كلما اقترب منه الخطر، انكمش داخله، واخرج شوكه، وظل ثابتا. لا يخدع احدا، ولا يناور، لكنه ينجو.. ينجو لانه اتقن ما يعرف، وتمسك بما هو مؤمن به…
الانسان الحديث لا يعاني من قلة الفرص، بل من وفرتها المضللة. كثرة الاختيارات تجعله ضائعا، غارقا في المقارنات، تائها في متاهة الامكانيات، يركض ولا يصل، يستهلك وقته وجهده في كل الاتجاهات، لكنه لا يتملك شيئا. كما قال المفكر اندراس فيكش: “الركض خلف كل شيء، يعني انك لن تمسك باي شيء”…
حين نطبق هذه النظرية على الانسان ككائن اجتماعي، نجد ان ازمته ليست في الجهل، بل في التشتت. فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الكبرى، ويتوزع بين الافكار المستوردة، والانبهار بالاخر، والملاحقة العمياء للحداثة، يتحول مع الزمن الى كيان فاقد لهويته. يلبس كل يوم وجها جديدا، لكنه لا يعرف ملامحه الاصلية…
القنفذ يعلمنا التواضع، يعلمنا ان العمق اهم من السطح، وان الاتقان اقوى من الزينة. ان تكون فردا يعرف لماذا يستيقظ صباحا، لماذا يعمل، ولماذا يكتب، ولماذا يؤمن، هو امر نادر في زمن يسميه علماء الاجتماع “عصر العدمية الخفية”، حيث الناس يبدون مشغولين، لكنهم لا يعرفون الى اين يذهبون…
الفيلسوف الالماني هارتمان قال ذات مرة: “الروح التي لا تتجذر في فكرة، يسهل اقتلاعها”. وربما هذه الجملة هي اقرب ما تكون الى جوهر ما تدعو اليه هذه النظرية: لا تكن نسخة من الثعلب، مهما بدا ذكيا، كن القنفذ، اعرف ذاتك..

