عبد اللطيف شعباني
ليس كتاب «السياسة والوجد.. رجل الأقدار» للسعيد أمسكان مجرد استعادة لسيرة رجل سياسي قضى عقوداً في العمل الحزبي والبرلماني والحكومي، بل هو محاولة لاستعادة جزء من ذاكرة سياسية مغربية ما تزال بحاجة إلى شهادات الفاعلين الذين عاشوا تفاصيلها من الداخل.
الكتاب، الصادر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، يأتي في سياق تزداد فيه أهمية المذكرات السياسية باعتبارها مصدراً موازياً لفهم تاريخ المغرب المعاصر، لا باعتبارها بديلاً عن الكتابة التاريخية الأكاديمية، وإنما بوصفها شهادة شخصية تحمل معها الذاكرة والانطباع والتجربة والكواليس. وقد قُدم الكتاب في المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط في يونيو 2026، بحضور شخصيات سياسية وفكرية وإعلامية.
من توندوت إلى الرباط
تبدأ أهمية تجربة أمسكان من المسافة التي قطعها الرجل قبل وصوله إلى المؤسسات. فقد وُلد سنة 1943 في قرية توندوت بإقليم ورزازات، في بيئة جبلية صعبة، قبل أن يقوده مساره المهني والسياسي إلى مراكش والدار البيضاء ثم الرباط. وهي رحلة تكشف، في جانب منها، عن واحدة من القضايا الكبرى التي طبعت مسار بناء النخب المغربية: العلاقة بين الهامش والمركز.
ومن هذه الزاوية، يصبح عنوان «رجل الأقدار» أكثر من مجرد عنوان أدبي؛ إذ يحيل إلى مسار شخصي تتداخل فيه المصادفة مع الاختيار، والظروف الاجتماعية مع الطموح، والعمل السياسي مع التحولات التي عرفها المغرب خلال عقود.
فأمسكان لم يأت إلى السياسة من مركز حضري تقليدي، وإنما من فضاء جغرافي ظل، لعقود، بعيداً عن دوائر القرار. وهذه الخلفية تمنح مذكراته قيمة اجتماعية تتجاوز حدود السيرة الفردية، لأنها تسمح بقراءة مسار صعود نخبة سياسية خرج جزء منها من المغرب العميق إلى المؤسسات الوطنية.
الذاكرة السياسية في مواجهة النسيان
تنبع قيمة الكتاب الأساسية من كونه شهادة رجل كان قريباً من عدد من المحطات والشخصيات السياسية التي طبعت الحياة العامة المغربية.
فالسعيد أمسكان راكم تجربة طويلة داخل حزب الحركة الشعبية، وانتُخب نائباً عن ورزازات في ولايات تشريعية متعددة، كما شغل منصب وزير النقل، وهي مسؤوليات جعلته قريباً من العمل الحكومي والبرلماني والحزبي. وتؤكد المعطيات الرسمية لمجلس النواب انتخابه عن ورزازات وعضويته ضمن الفريق الحركي.
لذلك، فإن قراءة الكتاب لا ينبغي أن تنحصر في السؤال: ماذا يقول أمسكان عن نفسه؟ بل ينبغي أن تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تكشف شهادة أمسكان عن زمن سياسي كامل؟
وهنا تكمن قيمة المذكرات السياسية: في المسافة بين السيرة الشخصية والتاريخ الجماعي.
السياسة من الداخل
تكتسب المذكرات أهمية إضافية حين يتعلق الأمر بالكواليس التي لا تظهر عادة في الوثائق الرسمية. وقد سبق لأمسكان أن تحدث، في حوارات صحفية، عن محطات من تجربته داخل الحكومة والحركة الشعبية، وعن علاقته بعدد من رجال الدولة والسياسة، وعن مرحلة الحسن الثاني وبعض تفاصيل التدبير الحكومي والسياسي آنذاك.
هذه الشهادات تجعل «رجل الأقدار» كتاباً مفتوحاً على أسئلة متعددة: كيف كانت تُدار التوازنات السياسية؟ كيف كان السياسي القادم من المجال الانتخابي يتعامل مع الدولة؟ وما حدود تأثير الحزب والبرلمان والحكومة في صناعة القرار؟
لكن القيمة الصحفية والتاريخية لهذه الشهادات تظل مرتبطة بقدرة القارئ والباحث على وضعها في سياقها، ومقارنتها بالمصادر الأخرى، والتمييز بين الواقعة كما حدثت والواقعة كما تتذكرها الذاكرة بعد مرور الزمن.
وهذه نقطة جوهرية في قراءة أي مذكرات سياسية؛ فالسيرة الذاتية ليست محكمة تاريخية، وإنما رواية صاحبها عن التاريخ الذي عاشه.
«مغرب السرعتين»… ما وراء السيرة
من أبرز القراءات التي رافقت تقديم الكتاب وصف تجربة أمسكان بأنها تكشف التوتر بين الهامش والمركز، وبين مغرب يسير بسرعات مختلفة في إنتاج النخب وتقاسم المسؤوليات. وقد اعتبر الكاتب عدي السباعي أن تجربة أمسكان تتجاوز سيرة الفرد لتصبح حكاية لجيل من النخب القادمة من مناطق عانت من الخصاص والتهميش قبل أن تجد طريقها إلى المؤسسات.
وهنا تبرز إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: السيرة باعتبارها مرآة للمجتمع.
فحين يروي سياسي مساره من قرية جبلية إلى البرلمان والحكومة، فإن القارئ لا يتابع فقط صعود شخص، بل يتابع أيضاً تحولات المجتمع المغربي، وتوسع المجال التعليمي والمهني والسياسي، وتغير طرق الوصول إلى مواقع المسؤولية.
ومن ثم، يمكن قراءة «رجل الأقدار» باعتباره نصاً عن السياسة بقدر ما هو نص عن التحول الاجتماعي.
بين الشهادة والتقييم
غير أن المذكرات السياسية تفرض على القارئ نوعاً من الحذر المنهجي. فكلما كان الكاتب جزءاً من الأحداث، كانت شهادته أكثر قيمة من حيث القرب، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر حاجة إلى المقارنة والتحقق.
وهذا لا ينتقص من الكتاب، بل على العكس، يرفع من قيمته باعتباره وثيقة قابلة للنقاش.
فالسياسي حين يكتب مذكراته لا يستعيد الماضي فقط، وإنما يعيد ترتيب علاقته به. يختار ما يتذكره، ويمنح بعض الأحداث مساحة أكبر من غيرها، ويقدم تفسيره الخاص للقرارات والتحالفات والصراعات. ولذلك فإن قراءة «رجل الأقدار» ينبغي ألا تكون قراءة احتفالية فقط، بل قراءة نقدية تسأل أيضاً عما يقوله الكتاب وما لا يقوله، وعن الشخصيات التي تحضر في روايته وتلك التي تغيب عنها.
ذاكرة الحركة الشعبية
لا يمكن فصل الكتاب عن التاريخ السياسي لحزب الحركة الشعبية، الذي شكل الإطار الأبرز لمسار أمسكان. فقد عُرف الرجل لسنوات طويلة بصفته أحد قيادات الحزب، وشغل داخله مسؤوليات تنظيمية وسياسية، كما ارتبط اسمه بتدبير عدد من الاستحقاقات والمؤتمرات الحزبية. وتكشف حوارات سابقة له عن انشغاله بقضايا التنظيم والديمقراطية الداخلية والانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات.
ومن هنا، قد يكون الكتاب مهماً ليس فقط باعتباره مذكرات رجل، وإنما باعتباره مادة يمكن من خلالها إعادة قراءة تاريخ جزء من اليمين المحافظ والحركة السياسية المغربية، خصوصاً خلال المراحل التي عرفت إعادة تشكيل التحالفات والأدوار داخل المشهد الحزبي.
كتاب يستحق القراءة… والنقاش
في المحصلة، يبدو «السياسة والوجد.. رجل الأقدار» أقرب إلى شهادة على زمن سياسي واجتماعي طويل منه إلى مجرد سيرة شخصية. قوته الأساسية تكمن في موقع صاحبه داخل الأحداث وفي المسافة التي قطعها بين القرية والمؤسسات، وبين التجربة المهنية والعمل الحزبي والبرلماني والحكومي.
لكن أهميته الحقيقية لن تتحدد بحجم الاحتفاء به عند صدوره، وإنما بما سيفتحه من نقاش وأسئلة ومقاربات نقدية.
فالمذكرات السياسية تصبح ذات قيمة تاريخية حين تتحول من حديث صاحبها عن نفسه إلى مادة تسمح للباحث والقارئ بإعادة تركيب صورة زمن بأكمله.
وربما هنا تحديداً تكمن دلالة «رجل الأقدار»: ليس فقط في أن رجلاً وصل إلى مواقع القرار بعد رحلة طويلة، وإنما في أن هذا الرجل اختار، في نهاية مساره، أن يعود إلى الوراء قليلاً، ويفتح دفاتر الذاكرة، تاركاً للأجيال الجديدة مهمة قراءة ما بين سطورها.
إنها، في نهاية المطاف، سيرة رجل… لكنها أيضاً شهادة على مغرب يتغير، وعلى سياسة تتبدل، وعلى ذاكرة وطنية لا تزال تبحث عن روايات أصحابها.

