《قديسات الكاريان》…..

بقلم الشاعر محمد السعداني

الجزء الثاني

كان النهار يحترق على حفيف صيفي قائظ، والريح ساكنة كأنها تتهيّب لهب الشمس الحارقة التي تبلغ ذروتها في شهر غشت. في وادي سيدي السيح، كانت الزهرة تضحك ملء روحها، تلاعب صويحباتها في الماء البارد، وخصلة شعرها الطويل المبتلّ تلتصق بعنقها كأنها وشاح من ضوء، فيما العيون تلمع ببقايا الطفولة التي لم تذبل بعد.

وفجأة، دوّى صوت صديقتها عائشة بنت فيطنة في الوادي كصفير إنذار:
– “زهرة! زهرة! هيا، أمك تناديك!”
رفعت رأسها، فإذا بها ترى أمها رحمة واقفة على حافة الوادي، تلوّح بيدها، ونبرة الاستعجال تقطع هدوء الطبيعة. عقدت الزهرة شعرها بسرعة، انتعلت حذاءها بارتباك، وهرولت خلف والدتها، تتعثر في الطريق بين الحصى والدهشة. وحين وطئت عتبة البيت، أحست بشيء غريب، نبض غير مألوف في الجدران. صديقة أمها فيطنة بنت دحو كانت تشمر عن ساعديها وتعجن البطبوط بنشاط، وأخوها العربي يطارد دجاجة بلدية سمينة كأنه في يوم عيد.

وقفت الزهرة وسط الفناء، مبللة الشعر، حافية القدمين تعلوها الدهشة، تتأمل هذا المشهد الصاخب، وتتمتم:
– “شنو كاين؟ علاش كلشي داير هاذ الحالة؟”
لكن لا أحد أجابها، الكل يتحرك، يتحدث، يعدّ و يطهو، كأنها ليست موجودة. ثم شدّت أمها رحمة يدها فجأة، وسحبتها نحو الحجرة الداخلية، فتحت صندوق الملابس، وأخرجت قفطانا أبيضا مطرزا بخيط الذهب، وهمست:
بدلي حوايجك، ووجدي راسك… بعد الظهر غادي يجيو شي ناس يخطبوك، ؤ خاصك تدخلي ليهم صينية أتاي فالقبة الكبيرة.”
شهقت الزهرة:
– “ضيوف؟! شكون؟ ما فهمت والو!”
فقالت الأم، دون أن تنظر في عينيها:
– “أناس جاؤوا… لخِطبتك اليوم.”

صمتٌ، ثقيل، مسموم، سكن المكان.ثم انفجر صوت الزهرة كحجر في ماء راكد:
– يخطبوني؟! شكون قاليكم بغيت نتزوج !!”

قالتها بحدّة، بوجه مبلل ويدين ترتعشان. لم تكن تعرف من هؤلاء، ولا لماذا هي؟ أين أحلامها؟ وأين القرآن الذي كانت تحفظه؟ وأين أحلامها في إخراج السلكة؟

لكن في زاوية الغرفة، تقدّمت صديقة أمها فيطنة، امرأة بوجه طيّب وصوت رخيم، وضعت يدها على كتف الزهرة، وقالت برفق:
– “غير دخلي بالصينية، شوفيهم… ما تحكميش قبل ما تعرفي شكون هو.”
ثم ابتسمت، وأضافت:
– الزواج سنة الحياة أ بنتي وحتى بنت ما بقات عند امها، عطي لراسك فرصة جربي عاد حكمي.”

سكتت الزهرة ولم ترد. ارتدت القفطان، رفعت الصينية المثقلة بكؤوس الشاي، ودفعت الباب بكتف متردد…
كانت أول خطوة تخطوها نحو حياةٍ لم تخترها، لكنها اختارت ألّا تُحرج أمّها. وتحترم وصية المرحوم والدها.
لم تكن تعرف وقتها أن عبد الله، ذاك الشاب الأسمر الذي أقسم لها قبل سنوات على حافة البئر أنه سيتزوجها، سيكون هو الجالس هناك، ينتظرها. ولم يكن الزواج وعدًا بالحياة، بل قرارًا حملته الزهرة على كفّها كما حملت الصينية، بلا اعتراض حقيقي، ولا رضا كامل.
من ثخوم مدينة الفقيه بن صالح، من عمق القبيلة العميرية، جاء عبد الله. شابٌ أسمر اللون، مشرب السمرة بلون الشمس التي صهرت وجهه بين الحقول وطرقات البادية. فارع الطول، كأنّ الأرض لم تسعه فاضطر أن يستقيم فوقها بكبرياء نخلة لا تنحني، عريض المنكبين، إذا مشى فكأن الريح تفسح له الطريق من تلقاء نفسها.

ولد عبد الله في دوار من دواوير بني عمير، قبيلة مشهورة بالشدة والبأس، رجالها لا يميلون كثيرًا للكلام، لكنهم يثبتون حضورهم في الميدان بالفعل، لا بالثرثرة. نشأ بين الحقول، يحرث الأرض ويرعى الغنم وهو بعدُ لم يبلغ الحلم، يتعلّم الرجولة من يد الحياة التي عركته وعركها، فعلمته من دروسها ما تعجز المدارس على تلقينه لطلابها. كان عبد الله قليل الكلام، لكنه حين ينطق، تُسمَع كلمته كأنها طعنة في الصخر، لا يُجامل، ولا يعرف المراوغة. كثّ الشنب، حاد النظرات، يحمل في عينيه أثر قسوة الأيام، لكن قلبه لم يكن من حجر، بل من طين صلب، يعرف متى يلين، ومتى يُضرب عليه الجفاف.

أراد أن يُغيّر مسار حياته، فشد الرحال إلى مدينة أبي الجعد. استقر أول الأمر في درب خريبكة ثم درب الكاريان، حيث الغربة تختبر الرجولة كل صباح. عمل في الرعي، وفي معامل الجير بالكواشة، وكان صوته الجهوري يعلو وسط الصخب، لا لأجل الشجار، بل لترتيب الفوضى، وإثبات الهيبة.

كان معروفًا بين رجال الحي بأنه واثق الخطى، لا يتردد، ولا يتراجع. وحين يتكلم، تُصغي له المجالس، لا لأن صوته عالٍ، بل لأن لهجته حاسمة، لا تعرف التردد. رجل يُفضّل السكوت على الجدال، لكنه لا يسكت حين تُمس الكرامة.

وذات يوم، وهو يزور قرية أيت شعطيط لتسليم قطيع أغنام لصاحبه رأى الزهرة…، على ناصية بئر سيدي بوالمسلم،
تملأ قرب الماء وتربطها على ظهر الدابة، مبللة الجبين، منحنية الجسد، لكنها مستقيمة الروح. لم يتردّد، اقترب منها مباشرة، وقال لها كلمته المشهورة:
– “أقسم بالله سأتزوجك.”

لم يكن يعرف وقتها أن الكلمة، وإن خرجت منه ببساطة، ستسكن قلبه لسنوات، وأن الفتاة التي رمقته بنظرة شزراء وانصرفت، ستصبح بعد حين قدره، وسُكنى غربته في حي من أحياء المدينة التي تبتلع الأحلام وتتركك معها وجهًا لوجه.

دخلت الزهرة بصينية الشاي إلى القُبّة الكبيرة. خطواتها خفيفة، لكن أنفاسها ثقيلة، كأنها تمشي نحو قدرٍ لم يُستشر فيه قلبها. لم ترفع عينيها، كما تفعل دائمًا حين يخجل الحياء من نفسه. ألقت السلام وجلست بهدوء على الطاولة الصغيرة، مدت الصينية، وهمّت بالانصراف. لكن صوتا جهوريا، مألوف و مهجور بادرها:

– ” السلام عليكم، .”

رفعت رأسها ببطء، كأنها تُخرج نفسها من بئر الذكرى، فإذا به عبد الله…
عبد الله، بعينيه الحادتين، ببشرته السمراء المألوفة، بصوته الذي لم يتغيّر، بنفس القسم الذي قاله منذ سنوات:
– “أقسم بالله سأتزوجك.
لم يقلها هذه المرة، بل جاء ليُكمل القَسم.
نظرت إليه، تلك النظرة التي خبّأتها يومها في كومة صمت، لكنها اليوم لم تنفع، فقد انكشفت الآن، أمام أمها، أمام أخيها العربي، أمام صديقة أمها، وأمام نفسها. نظرة مشوبة بالدهشة، بالرفض، بالقبول، بالحيرة، واللاشيء.
تلاقت العيون، وتفرقت قبل أن يقول الزمن كلمته.
لم يكن مساء الخطبة كأي مساء، فقد بدا الدوار وكأنه ينام أبكر من عادته. جدران الطين نكست أعلام بهجتها، كأنها هي الأخرى غير راضية على مغادرة الزهرة. الهدوء خيم على دار مبارك. والزهرة بوجهها الغارق في اللاشيء، ساكنا كمرآة ماء، لا يرى فيه غير الصمت، لكن في قرارة نفسها تشتعل العواصفوتدور طواحين الحيرة و الصدود.
مرّرت أصابعها على طرف ثوبها، وتلمست أطرافها تبحث عن ملاذ من رجفةٍ لا يُطفئها الدفء، ولا الكلمات المطمئنة التي حاولت صديقتها عائشة أن تزرعها فيها.

همست الزهرة لصديقتها، وصوتها بالكاد يُسمع:
“إني أخون ذاتي”

ضمّتها عائشة بحنان، كما تفعل الأم مع طفلتها؛ وحاولت التخفيف عنها.لكن الزهرة لم تكن تبحث عن تبريرات، كانت فقط تُخرج غصتها، وتطلب من صديقتها أن تشهد على آخر رمق من أحلامها القديمة.

في ذلك اليوم، دخل عبد الله بخطى واثقة، ممسكًا بيد والدته، يامنة الهلومية وعلى ملامحه شيء من الفرح المحرج. جلس في صدر المجلس، وعيونه ترقب مجيء الزهرة. بدا رجلاً بسيطًا، صادقًا في نيته، كما لو أنه جاء يطلب الحياة لا امرأة فقط.

تبادلت العائلات الكلمات، وارتفعت “الزغاريد” في اللحظة التي انزلقت فيها كلمة “مبروك” من أفواه الحاضرين. وقّعوا على اتفاق لا يُكتب بالحبر، بل بالخضوع للمصير.
في تلك الليلة، جلست الزهرة في فراشها دون نوم. تنصت لصوت الريح وهي تتسلل من نافذة الغرفة، كأنها تحمل لها رسائل مجهولة من المدى البعيد.
تمتمت وحدها:
أنا لست حزينة… ولكني لست فرحة… شعور رمادي بين البينين يراودني ، مثل الضوء الذي يجيء قبل الفجر… يعمينا قليلا، ولكنه يمنحنا بداية لنهار جديد.

كانت تجيل بصرها بتؤدة في تفاصيل بيت الطين المتشقّق، الذي صمد في وجه الشتاء والمطر والفقد. كل شيء فيه يعرف الزهرة، ويحفظ صوتها وخطاها وهمساتها الصغيرة حين كانت تسرق الوقت لتقرأ القرآن أو تصنع عروسة من خرقة قماش.

السماء رمادية كمشاعرها، وريح خفيفة تنسلّ من الشقوق القديمة، تُحرّك ستارة ممزّقة علّقتها أمها ذات يوم على نافذة الغرفة. الزهرة وحدها في الغرفة، جالسة على حصير باهت، والضوء الخافت ينبعث من فانوس صغير واهن، كما لو أنه يعرف أن هذا المساء لا يحتمل سطوعًا.

مدّت يدها ببطء إلى صندوق خشبي صغير في ركن الغرفة، ذاك الذي ورثته عن والدها، وكان يحتفظ بذكرياتها كما تحتفظ الأرض بندى الصباح. فتحت الغطاء، وفيه ما تبقّى من أحلام لم تنضج: دُمية من قماش أسمتها “هينة”، دفتر صغير بغطاء ورديّ فيه خواطرها البريئة، ولوحتها التي كانت تحبر عليها سور القرآن بالمسيد، فيه هدايا صديقاتها وذكرياتها معهن، ومسبحة والدها التي تشبّثت بها حين دفنوه.

أخذت الدمية بين يديها، ومسحت عنها غبار السنين، ثم ضمّتها إلى صدرها، كأنها تضمّ طفولتها كلها.
تمتمت بصوت لا يكاد يُسمع:
اعذريني يا هينة… سأتركك، ليس لأني أكرهك أو فضلت تركك بمحضر إرادتي، ولكن كل شيء جاء فجأة و فرض عليّ. حتى قلبي ليس معي… سيبقى هنا معك، مع أحلامي ، مع ذكرياتي الصغيرة و تفاصيل أيامي التي قضيتها بين حقول هذه القرية.
ثم مسحت خدها بباطن يدها، لكن الدمع لم يتوقّف، كان ثقيلاً، ساخنًا، يبلل رقبتها ويذوب في صدرها، كما لو أنه يغسل داخليًا كل ما بقي فيها من مقاومة.

جالت بعينيها في الغرفة، تطلعت إلى الجدران الطينية، التي حفرت عليها أمانيها الصغيرة في لحظات الحلم، وإلى السقف الذي كانت تعدّ ثقوبه وهي تنتظر والدها يعود من السوق. كل زاوية هنا كانت شاهدة على أن زهرة لم تعد كما كانت.
نهضت واقتربت من الجدار الشرقي، حيث علّقت ذات يوم ورقةً كتبت عليها: “غادي نولي حاجة كبيرة”.
نظرت إليها، ثم مدت يدها ومزّقتها ببطء. بلا غضب، بلا عنف… بل باستسلام هادئ، حزين، كأنها تنزع قلبها لا ورقة.

همست للفراغ :
كنت بغيت نكبر… ولكن ماشي بهاد الطريقة.

_ يتبع_




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.