سلسلة تغيير العقليات نحو النماء: حين يتحول العجز عن الإنجاز إلى ثقافة الانتقاد والتشهير قراءة سوسيولوجية ونفسية في سلوك تبخيس الآخرين وهدم الإنجازات
فاص تيفي بقلم: الدكتور لحبيب ازنك
مقدمة :مفارقة العجز عن التدبير والرغبة في محاسبة الجميع
من المفارقات الاجتماعية أن بعض الأشخاص يعجزون عن تدبير شؤونهم الشخصية والأسرية، ومع ذلك ينصبون أنفسهم أوصياء على المجتمع والمؤسسات.
فهم يتقنون انتقاد الآخرين وإصدار الأحكام، دون أن يقدموا إنجازات أو مبادرات تعكس قدرتهم على الإصلاح.
ويعتقد بعضهم أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة، وأن كل من يخالفهم الرأي إما جاهل أو متملق أو صاحب مصلحة.
وتطرح هذه الظاهرة تساؤلات عميقة حول العلاقة بين الإخفاق الشخصي والغيرة الاجتماعية والعداء تجاه نجاح الآخرين.
فكيف يتحول الانتقاد من وسيلة للإصلاح إلى أداة للتشهير والتبخيس وتصفية الحسابات؟
أولاً: التعويض النفسي عن الإخفاق الشخصي
يفسر علم النفس بعض هذه السلوكيات باعتبارها آليات دفاعية قد يلجأ إليها الفرد للتخفيف من شعوره بالعجز أو الإحباط.
فعندما يعجز الإنسان عن تحقيق ذاته، قد يبحث عن إثبات قيمته من خلال التقليل من شأن الآخرين.
ويصبح تضخيم أخطاء الناجحين وسيلة لتعويض غياب الإنجازات الشخصية.
وقد يلجأ البعض إلى الإسقاط النفسي، فينسبون إلى غيرهم عيوباً أو دوافع يصعب عليهم الاعتراف بها في أنفسهم.
غير أن الإخفاق الشخصي لا يعني بالضرورة سوء النية؛ فالإشكال يبدأ عندما يتحول الإحباط إلى عداء ممنهج للآخرين.
ثانياً: وهم امتلاك الحقيقة المطلقة
يتصرف بعض المنتقدين وكأن آراءهم حقائق نهائية لا تقبل المناقشة أو المراجعة.
ويبحثون عن المعلومات التي تؤكد مواقفهم المسبقة، متجاهلين كل ما يناقضها.
ويعرف علم النفس المعرفي هذه الظاهرة بالتحيز التأكيدي، الذي يجعل الإنسان أسيراً لقناعاته.
فإذا تحقق إنجاز واضح قللوا من أهميته، وإذا وقع خطأ بسيط ضخموه باعتباره دليلاً على الفشل الشامل.
وهكذا يتحول النقد من بحث عن الحقيقة إلى محاولة لفرض رأي شخصي على الواقع.
ثالثاً: الغيرة الاجتماعية ورفض الاعتراف بالإنجاز
يشعر بعض الأشخاص بأن نجاح الآخرين يهدد مكانتهم الاجتماعية ويكشف محدودية إنجازاتهم.
وبدلاً من الاستفادة من التجارب الناجحة، يلجؤون إلى التشكيك فيها أو الانتقاص من أصحابها.
والأخطر أنهم لا يكتفون برفض الاعتراف بالنجاح، بل يعادون كل من يشيد به أو يذكره.
فمن يعترف بإنجاز حقيقي يُتهم بالتطبيل والتملق، وكأن الإنصاف أصبح جريمة اجتماعية.
والحقيقة أن الاعتراف بالإنجاز ليس نفاقاً، كما أن الانتقاد المستمر ليس بالضرورة شجاعة أو استقلالاً في الرأي.
رابعاً: المصلحة الشخصية وتحول المواقف
من أخطر مظاهر هذه الظاهرة ارتباط المواقف الأخلاقية لبعض الأفراد بمصالحهم الشخصية.
فقد يصمت الشخص عن أخطاء يعتقد بوجودها ما دام مستفيداً من علاقة أو خدمة أو امتياز.
لكنه قد يتحول إلى منتقد شرس بمجرد توقف تلك المنفعة أو رفض طلب شخصي.
فيصبح المسؤول الذي كان بالأمس محل إشادة هدفاً للهجوم والتشهير، دون أن تتغير بالضرورة طريقة تدبيره.
وهنا لا يكون معيار الحكم هو المصلحة العامة، بل مقدار ما يتحقق من مصالح فردية.
ومع ذلك، لا يجوز افتراض سوء النية لمجرد تغير الموقف؛ فالحكم العادل يتطلب الوقائع والأدلة.
خامساً: من النقد البناء إلى التشهير والاغتيال المعنوي
النقد حق مشروع وضرورة لتحسين أداء المؤسسات وتصحيح الاختلالات.
لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى تجريح شخصي أو نشر اتهامات دون أدلة.
فهناك فرق كبير بين مساءلة مسؤول عن قرار إداري وبين استهداف سمعته وكرامته.
وقد يتعمد البعض اختزال سنوات من العمل والإنجازات في هفوة واحدة أو خطأ معزول.
ويتجاهلون المبادرات الناجحة والخدمات المقدمة للمواطنين، ويركزون حصرياً على السلبيات.
وهذا السلوك يضعف الثقة في المؤسسات ويثبط عزيمة الكفاءات ويشجع ثقافة الهدم بدل الإصلاح.
سادساً: الاختباء وراء الصفحات الوهمية
أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات واسعة للتعبير، لكنها أصبحت أيضاً وسيلة لبعض الممارسات العدائية.
فقد يختبئ بعض الأشخاص وراء حسابات وهمية لنشر الإشاعات والاتهامات والتعليقات الجارحة.
ويمنحهم إخفاء الهوية شعوراً بالقوة والجرأة قد لا يظهر في المواجهة المباشرة.
فيمارسون عبر الشاشات تسلطاً رمزياً يعجزون أحياناً عن ممارسته في الواقع.
غير أن استعمال اسم مستعار ليس دليلاً على سوء النية، فقد يكون وسيلة مشروعة لحماية المبلغين عن الاختلالات.
والمشكلة الحقيقية تكمن في توظيف التخفي للإساءة والتشهير دون تحمل المسؤولية.
سابعاً: البيئة الاجتماعية التي تكافئ الهدم
في بعض البيئات الاجتماعية، تحظى الإشاعات والأخبار السلبية باهتمام أكبر من المبادرات الناجحة.
وقد يصبح الشخص كثير الانتقاد أكثر شهرة من الإنسان الذي يعمل بصمت ويحقق نتائج ملموسة.
وتساهم بعض المنصات الرقمية في تضخيم الخطابات المثيرة للجدل والغضب.
وفي المدن الصغيرة والمجتمعات المحلية، قد تتداخل الخصومات الشخصية والعائلية مع تقييم أداء المؤسسات.
فتتحول الإنجازات إلى موضوع للتشكيك، ويصبح الاعتراف بالكفاءة خاضعاً للعلاقات والمواقف المسبقة.
وهكذا تتشكل ثقافة اجتماعية تمنح الاهتمام لمن يهدم أكثر مما تمنح التقدير لمن يبني.
ثامناً: انعكاسات الظاهرة على الإدارة العمومية
تحتاج الإدارة العمومية إلى النقد والمحاسبة، لكنها تحتاج كذلك إلى الإنصاف وتشجيع المبادرة.
وعندما يصبح كل إنجاز عرضة للتبخيس، قد يتردد بعض المسؤولين في اتخاذ المبادرات خوفاً من الاستهداف.
وقد تفضل بعض الكفاءات الانسحاب من النقاش العمومي أو الاكتفاء بالحد الأدنى من المسؤولية.
وتؤدي هذه الأجواء إلى إضعاف الثقة والدافعية المهنية وإعاقة الابتكار الإداري.
لكن حماية المسؤولين من التشهير لا تعني إعفاءهم من المساءلة أو تجاهل أخطائهم.
فالإدارة القوية هي التي تعترف بإنجازاتها ونقائصها، وتقبل النقد الموضوعي، وتحتكم إلى النتائج والمؤشرات.
تاسعاً: نحو ثقافة النقد المسؤول والاعتراف بالإنجاز
تبدأ مواجهة هذه الظاهرة بتعزيز التربية على الإنصاف والتفكير النقدي واحترام الاختلاف.
ويجب التمييز بين النقد الذي يقدم الأدلة والحلول، والانتقاد الذي يستهدف الأشخاص بدوافع عدائية أو مصلحية.
كما ينبغي ترسيخ ثقافة الاعتراف بالإنجازات دون تقديس الأشخاص أو المؤسسات.
وعلى المسؤولين اعتماد التواصل الشفاف والرد على الادعاءات بالوقائع، بعيداً عن الانفعال وتصفية الحسابات.
ويظل الاحتكام إلى القانون والحوار المسؤول أفضل من الانخراط في معارك التشهير والإشاعات.
خاتمة: الأوطان لا تُبنى بثقافة الهدم
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس وجود النقد، بل غياب الإنصاف وتحول الاختلاف إلى عداوة شخصية.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين لإثبات قيمته، ولا يخجل من الاعتراف بنجاحهم.
كما أن المسؤول الناجح ليس معصوماً من الخطأ، والمنتقد الصادق ليس عدواً للمؤسسة.
إن التنمية الحقيقية تتطلب الانتقال من ثقافة التبخيس والتشكيك إلى ثقافة المسؤولية والاعتراف بالكفاءة والمشاركة في الإصلاح.
“فالأوطان لا تتقدم بمن يتقنون البحث عن العثرات فقط، بل بمن يمتلكون شجاعة الاعتراف بالنجاح، ونزاهة كشف الأخطاء، وإرادة البناء والإصلاح.”
