بقلم: عبد العزيز برعود
لم يكن الكون واسعا كما ظننا، كان مجرد فكرة ضلت طريقها إلى الله، فسقطت من علوها، وتكاثرت.
منذ ذلك الحين والنجوم تحاول أن تتذكر أسماءها، والكواكب تدور حول أخطائها القديمة، والليل يجر وراءه جنازة نهار لم يكتمل.
كنت هناك، قبل أن تُخترع المسافة، حين كانت الأشياء تلتصق بمعانيها، وكان للماء قلب واحد، وللريح ذاكرة لا تخون.
رأيت الزمن يخلع ساعته، ويجلس عاريا على حافة الأبدية، يسأل العابرين: أيكم رأى وجهي قبل أن أصبح ماضيا؟
لم يجبه أحد.
كان الموت منشغلا بترميم نافذة في جسد فراشة، وكانت الحياة، في الجهة الأخرى، تجرب مقاسا جديدا للكفن.
أما نحن، فكنا نرتب خساراتنا بعناية، نمنح لكل خيبة تاريخا، ولكل دمعة مجرة، ونقول: ما زلنا بخير، بينما كانت أرواحنا تتسرب من ثقوب الكلام.
في مكان ما من هذا الوجود تنام أم لم يعد ابنها من الحرب، وتظل الأرض تدور كي لا توقظ انتظاره.
في مكان آخر يكتب عاشق رسالة إلى امرأة غائبة، ثم يضعها في زجاجة ويلقي بها في بحر لا يعرف الشواطئ.
تصل الرسالة إلى مجرة بعيدة، يفتحها كائن من ضوء، ولا يفهم اللغة، لكنه يبكي.
هكذا تتشابه المخلوقات: نختلف في أشكالنا، ونتفق في هشاشتنا.
رأيت المدن تأكل ظلال ساكنيها، والتماثيل تشيخ واقفة، والملوك يجربون أحذية الفقراء كي يعرفوا لماذا تتعب الأرض.
رأيت الحقيقة تمشي حافية، والأكاذيب تركب قطارات فاخرة، والعدالة تؤجل موعدها لأن ميزانها أصيب بالدوار.
ولم يكن الله بعيدا كما اعتقدنا، ربما كان مختبئا في ارتجافة يد تمنح رغيفا لجائع، في عين طفل يحدق في نجمة، في امرأة تغفر للعالم رغم أنه لم يعتذر.
يا لهذا الكون! كلما اتسعنا فيه ضاقت بنا أنفسنا، وكلما اقتربنا من الحقيقة وجدناها ترتدي وجها آخر.
أنا لست سوى عابر يحمل في جمجمته مقبرة من الأسئلة، وفي صدره بقايا شمس لم تتعلم كيف تغيب.
أمشي، ولا أعرف إن كنت أعبر الأرض أم أن الأرض تعبرني، ولا أعرف إن كانت خطاي تترك أثرا في التراب أم أن التراب هو الذي يكتبني ثم يمحوني.
وحين أصل إلى آخر الجهات، لن أطرق بابا، لن أطلب تفسيرا، سأضع قلبي على عتبة المجهول وأترك للريح أن تقرأه.
فربما لم نخلق لنفهم الوجود، ربما خلقنا لنمنحه قليلا من الحنان قبل أن ينطفئ.
وربما، حين تنتهي الحكاية، لن يبقى منا شيء سوى ذلك الضوء الصغير الذي أشعلناه في قلب أحدهم ومضينا.
