فواتير الكهرباء بطاطا في عهد “الشركة متعددة الخدمات”: لهيب التسعيرة يضاعف قساوة المناخ ويختبر العدالة المجالية
فاص تيفي طاطا
لم تكن الانتقالة نحو تدبير قطاع الماء والكهرباء عبر “الشركة الجهوية متعددة الخدمات” لسوس ماسة مجرد تغيير في الأسماء والشعارات بالنسبة لساكنة إقليم طاطا، بل تم استقبالها بكثير من الترقب والأمل في تحسين جودة الخدمات ومراعاة الخصوصيات المجالية. غير أن واقع الفواتير الصيفية الأخيرة جاء بخيبة أمل واسعة، بعدما صُدم المواطنون بأرقام قياسية تُلهب الجيوب وتُعمّق جراح المعاناة اليومية مع قساوة المناخ وغلاء المعيشة.
بين جحيم الطقس وضرورة التبريد: معضلة أشطر الاستهلاك
يصنف إقليم طاطا ضمن أشُدّ المناطق حرارة على الصعيد الوطني؛ حيث تتجاوز درجات الحرارة طيلة أشهر الصيف عتبة 45 إلى 48 درجة مئوية في أقا، تمنارت، فم الحصن، ومركز الإقليم. وفي ظل هذا الواقع البيئي الصارم، يغدو تشغيل المكيفات والمراوح وآلات التبريد شرطاً أساسياً لحماية الأرواح والصحة العامة، خصوصاً لدى كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
غير أن المشكلة الجوهرية التي تواجهها الأسر تكمن في آلية الاحتساب الراهنة؛ إذ تضع استعمال وسائل التبريد الضرورية في مرتبة “الاستهلاك المفرط”، مما يدفع بالفواتير تلقائياً نحو الأشطر العليا المرتفعة السعر. ومع إشراف الشركة الجهوية متعددة الخدمات على تدبير القطاع، تزايدت مطالبات الساكنة بأن ترافق هذه الهيكلة التدبيرية الجديدة رؤية نفعية ومجتمعية تأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الجغرافية الشديدة الجفاف والحرارة.
هوان القدرة الشرائية وأعباء الانتقال التدبيري
يعتمد النسيج الاقتصادي المحلي بطاطا فيظله الأعظم على الفلاحة الواحاتية المعيشية، والتجارة الصغرى، والحرف البسيطة—وهي قطاعات تواجه بدورها توالي سنوات الجفاف وقلة الفرص الاستثمارية. وفي هذا السياق المعقد، تحولت مبالغ الفواتير الصادرة مؤخراً إلى ثقل مالي غير متناسب إطلاقاً مع متوسط الدخل الشهري للأسر.
وتشير العديد من الشهادات الميدانية إلى أن مبالغ الفواتير أصبحت تقتطع حصة كبرى من ميزانيات العائلات، مما يضعها أمام خيارات أحلاها مرّ بين سداد مستحقات الكهرباء لتفادي قطع التزويد، أو توفير الاحتياجات المباشرة من قفة التغذية والطبابة والدراسة.
مطالب الساكنة والفعاليات: نحو “عدالة مناخية وتسعيرية”
أمام هذا الوضع الاجتماعي الضاغط، تتكتل الفعاليات الجمعوية والحقوقية والمنتخبون المحليون بالإقليم للمطالبة بفتح حوار جاد مع إدارة الشركة الجهوية متعددة الخدمات والسلطات الوصية، داعين إلى اتخاذ خطوات ملموسة تشمل:
إقرار تسعيرة مناخية تفضيلية: إعادة النظر في نظام الأشطر المطبق بالإقليم عبر تكييف السقف الأدنى للعمل بسعر مخفض، مراعاةً للاستهلاك الاضطراري الناجم عن موجات الحر الشديدة.
الشفافية والحكامة في ضبط العدادات: ضمان انتظام عملية قراءة العدادات وتفادي الفواتير التقديرية أو التراكمية التي تتسبب في القفز السريع نحو الأشطر المكلفة.
تطوير واستقرار الشبكة: الاستثمار الفعلي في تجديد وتدعيم البنية التحتية لتوزيع الكهرباء بمختلف الجماعات الترابية للإقليم، للحد من الانقطاعات المفاجئة وضمان تدفق كهربائي مستقر وآمن.
كلمة الختام
إن دخول “الشركة الجهوية متعددة الخدمات” حيز التدبير بالإقليم كان يفترض أن يشكل مدخلاً للعدالة المجالية والنهوض بالخدمات العمومية. واليوم، تقف المؤسسة المعنية والسلطات الحكومية أمام اختبار حقيقي لإثبات أن النجاعة التدبيرية لا تحسب فقط بالمؤشرات المالية، بل بمدى مراعاتها للبعد الاجتماعي والكرامة الإنسانية لساكنة الواحات الصامدة في وجه القسوة الجغرافية.
