سعيد حجي
كنتُ أنظر في صورة نيتشه المعلّقة في غرفتي، كانت الصورة منحرفة قليلا نحو الحائط، كأنها تميل عن قصد، كأنها ترفض الاستقامة داخل عالم فقد توازنه منذ زمن، ينظر إليّ بابتسامة غامضة، ابتسامة تتجاوز السخرية إلى نوع من الإدراك البارد، إدراك يتغذّى من هشاشة هذا الوجود، ومن تراكم المعنى حتى اختناقه. كنتُ للتوّ أعبث بوعيي، أستنزفه في متابعة سيل الأخبار، خرائط مشتعلة، مدن تتآكل، وجوه تبهت، أرقام تتصاعد، وكل رقم يحمل داخله قصة انطفأت قبل أن تُروى….
نيتشه كان محقا حينما لمح إلى أن العالم الذي نعيشه يتقدّم في الظاهر نحو التعقيد، بينما يتآكل في العمق عبر تفكك بنيته القيمية، حيث تتحوّل الحقيقة إلى مسألة تأويل، وتصبح الأخلاق نظاما هشّا قابلا لإعادة الصياغة حسب موازين القوة. تتراكم الوقائع في ذهني، صراعات جيوسياسية، اقتصاد حرب، إعادة توزيع للعنف عبر وسائط رقمية، تشكّل وعي جمعي مُعاد إنتاجه بواسطة الخوارزميات، وداخل هذا كله يظهر ما يشبه “الانفجار الدلالي”، حيث تتكاثر المعاني إلى حدّ تفقد فيه قدرتها على التماسك…
أشعر بأنني أعيش داخل ما يمكن تسميته “باللامركزية الوجودية”، حيث لم يعد هناك محور ثابت يعاد إليه تفسير العالم، كل شيء يتشظى، الهوية، القيم، الذاكرة، حتى الزمن نفسه فقد خطّيته، صار يعاش على شكل ومضات متقطّعة، خبر عاجل، صورة صادمة، تعليق سريع، ثم نسيان جماعي يتقدّم بسرعة مذهلة. في هذا السياق، يتشكّل وعي جديد، وعي سائل، يفتقر إلى العمق، يتغذّى على الاستهلاك الرمزي، يمرّ فوق الأشياء دون أن يستقر فيها….
أعود إلى الصورة، ألاحظ تفاصيل الوجه، الشارب الكثيف، النظرة التي لا تستقر، كأنها تبحث عن شيء يتجاوز الحاضر، كأنها ترى في هذا الخراب نمطا متكرّرا، دورة تتجدّد بأشكال مختلفة، حيث الإنسان يعيد إنتاج أزماته بنفس الأدوات، بنفس البُنى العميقة، بنفس الرغبة في الهيمنة. هنا تتكثّف فكرة “إرادة القوة”، كدينامية خفية تتحرّك في كل العلاقات، في السياسة، في المعرفة، في اللغة ذاتها، حيث الكلمات تُستخدم كأدوات سيطرة، كوسائل تشكيل للواقع…
تتداخل في ذهني طبقات متعددة من التحليل، من الفلسفة إلى السوسيولوجيا، من التحليل النفسي إلى النقد الثقافي، وكلها تشير إلى شيء واحد، أن الإنسان لم يتحرّر بعد من بنياته البدائية، بل أعاد تغليفها بقشرة حضارية رقيقة. يظهر مفهوم “الاغتراب الوجودي” هنا بكثافة، حيث يشعر الفرد بانفصال عميق عن ذاته، عن الآخرين، عن العالم، كأنّه يعيش داخل نص لم يكتبه، داخل سردية مفروضة عليه، يشارك فيها دون أن يمتلك القدرة على تعديل مسارها…
تتسلّل جملة روائية إلى هذا المشهد، كأنها خرجت من قلب العتمة، من ذلك الفضاء الذي تتقاطع فيه الأسئلة الكبرى مع هشاشة الإنسان، “كلّما ازداد وعي الإنسان، ازداد ألمه”، عبارة تتردّد بصوت دوستويفسكي، كنبض داخلي يوازي هذا القلق الذي يتضخّم مع كل معرفة جديدة، مع كل إدراك إضافي لمدى التعقيد الذي يحيط بنا…
أشعر أنني أقف على حافة شيء غير مرئي، شيء يتعلّق بما يمكن تسميته “العدمية البنيوية”، حيث لا يعود العدم موقفا فلسفيا، إنما يتحوّل إلى بنية تحتية تنظّم الوعي، تحدّد علاقته بالعالم، تفرغ القيم من محتواها، وتحيلها إلى رموز فارغة قابلة للتداول. في هذا السياق، يصبح العنف لغة، يصبح الصراع ضرورة، يصبح الإنسان كائنا محكوما بمنطق البقاء داخل نظام لا يعترف إلا بالقوة…
الغرفة تبدو أكثر ضيقا، الضوء يتسلّل بخفوت، الزمن يتباطأ، كأن كل شيء يدخل في حالة من “الانكماش الإدراكي”، حيث تتكثّف التجربة إلى حدّ الاختناق. أنظر إلى الصورة مجددا، أشعر أن الابتسامة اتّسعت قليلا، أو ربما أنا الذي تغيّر إدراكي لها، كأنها أصبحت أكثر وضوحا، أكثر قسوة، أكثر صدقا…
في تلك اللحظة، يتلاشى الحدّ الفاصل بين الناظر والمنظور، بين الذات والموضوع، بين الصورة والواقع، ويصبح السؤال أكثر إلحاحا، سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يفتح مساحات أعمق من القلق: أيّ معنى يمكن أن يُبنى فوق هذا الركام؟ وأيّ وعي يمكن أن يصمد أمام هذا التدفّق المستمر للعبث؟
أظلّ واقفا، صامتا، أراقب، أفكّك، أعيد تركيب ما يتفكّك، وأدرك، في عمق هذا التشابك، أن المسألة لم تعد تتعلّق بالعالم وحده، بل بذلك الكائن الذي يحاول فهمه، كائن يتآكل من الداخل، يعيد إنتاج أسئلته، ويستمر، رغم كل شيء، في البحث عن معنى، حتى وهو يعرف، في مكان ما داخله، أن المعنى نفسه أصبح سؤالًا مفتوحا.

