صبر المؤلفين….

بقلم ذ نزار لعرج

دخلتُ المقهى وأنا أحمل في صدري ظرفا مختوما. كنت أجرّ خلفي أثر الحبر الذي نزف من آخر جملة كتبتها، تطاردني شخصياتي وتصيح: قاتل، وأمام عينيّ يتقدّم سطرٌ فار من قفص النص، يبحث عن معناه الخاص. لا بأس لقد كبر وسأتركه يخرج من قفصي ليعيش حياته، لكني سأتبعه بالدعاء كي لا يطير.

جلستُ إلى الطاولة، عدت إلى مسودّة أولى رفضت أن أمزّقها. كانت تجلس هناك، قبالتي، فتاة تشبه رنا (ٱخر شخصية قتلتها). تنظر، تقرأ الأشياء، تقرؤني.
همستُ، معترفا:
ــ “أرسلتُ مجموعتي القصصية أخيرا… أشعر أنني سلّمت قطعة مني لمعصرة. لا أعرف إن كانت ستخرجني جفتا أم زيت زيتون.”
ابتسمتْ، ابتسامة تُقاس بالملّيمتر، لا تمنحك دفئا، لكنها تمنعك من السقوط. ثم رمقتْ المقهى بنظرة خفيفة، أظنها تبحث عن سامر(وضعته في بيمارستان).

في اللحظة التالية، بدأت القصص التي أرسلتها تنفلت من ظرفي المختوم. بدأت تظهر على الطاولات، تتكوّر كأوراق مجعدة ثم تتناسخ، تتحوّل إلى أطفال بوجوه باهتة وعيون متورّطة في القراءة.
ضحكت الفتاة وقالت:
ــ “ها هم قرّاؤك يركضون في المقهى.”
كانوا بالفعل يركضون: طفل يرتدي عنوانا مرفوضا، وآخر يلهو بنهاية غير محبوكة، وثالث يحاول أن يعيد ترتيب الصفحات. وأنا، بينهم، أبدو كوالد غير مسؤول، ناسخ لمصائر مستعارة.

تقدّمت نحوي، مسحت شيئا غير مرئي عن جبيني، وقالت:
ــ إن فازت مجموعتك، سيولد لك اسم جديد. وإن لم تفز، ستظل تكتبنا نحن… الأشباح الذين قابلوك يوما في مقهى، في قطار، في حلم.

ثم مدّت يدها الورقة البيضاء، الناصعة حدّ الخوف. قرأت فيها:
“لقد تم استلام قصتك، والقرار سيُتّخذ لاحقا. في هذه الأثناء، نرجو لك صبر المؤلفين.”
رفعت رأسي. لم تكن هناك فتاة. ولا مقهى. كان هناك ظرف مختوم في صدري، وصبر المؤلفين.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.