المديرية الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط بشراكة مع كلية الاقتصاد والتدبير جامعة السلطان مولاي سليمان تنظم ندوة علمية: “السياسيات العمومية في ظل التحولات الديموغرافية والسوسيواقتصادية بجهة بني ملال خنيفرة “

عبد اللطيف شعباني

في إطار الانفتاح على محيطها الأكاديمي وبمناسبة إصدار التقرير الجهوي: “الدينامية الديموغرافية والسوسيواقتصادية بجهة بني ملال خنيفرة ” بناء على نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024 ، نظمت المديرية الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط بني ملال خنيفرة بشراكة مع كلية الاقتصاد والتدبير جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال ندوة علمية حول : “السياسيات العمومية في ظل التحولات الديموغرافية والسوسيواقتصادية بجهة بني ملال خنيفرة ” يومه الاثنين 19 ماي 2024 بكلية الاقتصاد والتدبير بني ملال.
جاءت هذه المبادرة العلمية في سياق مواكبة النقاش العمومي حول التحولات العميقة التي تعرفها الجهة وما تفرضه رهانات جديدة على مستوى التخطيط الترابي وصياغة السياسات العمومية.
وانطلاقا مما أبانت عنه مختلف مداخلات هذه الندوة فإن التحولات التي كشفت عنها نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024 تعكس انتقالا تدريجيا نحو واقع مجالي جديد، تتداخل فيه التحولات التي عرفتها البنية الأسرية والهشاشة الاجتماعية ورهانات الشيخوخة والفوارق المجالية، مع الأخد بعين الاعتبار ما يعرفه سوق الشغل من تحديات حول مجالات التشغيل والتعليم والسكن والعدالة الاجتماعية وبالتالي فالإحصاء لا يرتبط ارتباطا أحاديا ببنية الأرقام والمؤشرات الإحصائية فقط بل و بكل ماسبق.
لقد كشفت مختلف مداخلات هذه الندوة أن التخطيط لم يعد مجرد أداة تقنية لتدبير المجال وحسب، بل تحول إلى رهان استراتيجي يقتضي استحضار البعد الديموغرافي في بلورة السياسات العمومية وضمان نجاعتها واستدامتها.
افتتحت أشغال هذه الندوة بجلسة رسمية تضمنت كلمة كل من السيد المدير الجهوي للمندوبية السامية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة وعميد كلية الاقتصاد والتدبير بني ملال وقد ركزت الكلمة الافتتاحية على أهمية نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى واعتبارها أرضية مرجعية لتوجيه السياسات العمومية ورسم المعالم الكبرى للتنمية الجهوية المستدامة.
تمحورت الجلسات العلمية كالتالي:
الجلسة الأولى قام بتسييرها جواد الغلفقي وهو أستاذ بمختبر البحث في الابتكار والسياسات الاقتصادية والتنمية، استهلت أشغال هذه الجلسة بمداخلة سلمى مجيب، مهندسة بالمديرية الجهوية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، حول “التحولات الديمغرافية بجهة بني ملال خنيفرة”، وقد تناولت التحولات المرتبطة بالنمو السكاني والتحضر وبداية شيخوخة الساكنة وتراجع الخصوبة وتغير أنماط الزواج والبنيات الأسرية .
تلتها المداخلة الثانية والتي قدمتها عائشة العلوي، رئيسة شعبة الاقتصاد والتدبير بجامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال، حول “تحولات السياسات الاقتصادية بين المجالين الحضري والقروي في جهة بني ملال – خنيفرة (2014-2024)”، وقد تناولت من خلالها الاختلالات البنيوية التي تعكسها المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أن التعاكس الديموغرافي بين النمو الحضري الضعيف والتراجع القروي يعكس محدودية السياسات الاقتصادية في تحقيق تنمية مجالية متوازنة خلال العقد الأخير، خاصة في ما يتعلق بالتشغيل وإدماج النساء بالعالم القروي وتحسين الخدمات الأساسية.
كما شارك محسن إدالي، مدير قطب الدراسات في الدكتوراه بجامعة السلطان مولاي سليمان، بمداخلة حول “السياسات العمومية، الواقعية التطبيقية والبعد الجيوسياسي” تناول فيها الفجوة القائمة بين النصوص القانونية وواقع تنزيل السياسات العمومية، في ظل تأثير التحولات الدولية والأزمات الطاقية والغذائية والرهانات الجيوسياسية على القرار العمومي الوطني، مع الدعوة إلى بلورة سياسات عمومية أكثر مرونة وقدرة على التوفيق بين الحاجيات المحلية والإكراهات الدولية.
وفي محور الفقر والاستهداف الترابي، قدم ابن سعيد بختاوي، رئيس مصلحة التخطيط بالمديرية الجهوية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، قراءة في خريطة الفقر متعدد الأبعاد بالجهة، من خلال تحليل تطور مؤشرات الهشاشة الاجتماعية والفوارق الترابية، وإبراز الأثر الإيجابي لسياسات الاستهداف المجالي، رغم استمرار التفاوتات الإقليمية والجماعية.

وتواصلت أشغال الندوة ضمن الجلسة العلمية الثانية والتي قام بتسييرها عبد الكريم أعرام، رئيس مصلحة الموارد البشرية بالمديرية الجهوية للتخطيط، وخلال هذه الجلسة قدمت أمال الحرفي، المهندسة بالمديرية الجهوية للتخطيط بجهة بني ملال خنيفرة، مداخلة حول “تحولات بنية الأسر وظروف السكن بجهة بني ملال خنيفرة”، استعرضت من خلالها التغيرات المرتبطة بعدد الأسر ومتوسط حجمها وخصائص أرباب الأسر، إلى جانب التحسن المسجل في الولوج إلى السكن العصري والكهرباء والماء الصالح للشرب وشبكات التطهير، مع إبراز الفوارق المستمرة بين الوسطين الحضري والقروي.
كما شارك عبد الرحيم لغماري، المدير الجهوي للسكنى وسياسة المدينة، بمداخلة حول “دينامية برامج السكن وآثارها على السياسات العمومية”، استعرض فيها، جهود قطاع السكنى وسياسة المدينة في القضاء على مظاهر السكن غير اللائق، سواء تعلق الأمر بالسكن الصفيحي أو المهدد بالانهيار أو الناقص التجهيز، إلى جانب الأدوار التي تضطلع بها برامج السكن في تعزيز التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق المجالية وتحسين جاذبية المدن وتأهيل البنيات التحتية وصيانة التراث المعماري ومواكبة أوراش الجهوية المتقدمة.
وقد اختتمت الجلسة العلمية الثانية بمداخلة لصلاح الدين صالحي، أستاذ بمختبر البحث في الابتكار والسياسات الاقتصادية والتنمية حول ” من التعليم شبه الشامل إلى الأمية المستمرة: تحديات العدالة التعليمية في منطقة بني ملال وخنيفرة”، حيث قدم قراءة تحليلية لمحددات النجاح الدراسي والاستمرارية التعليمية لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و29 سنة، بالاعتماد على نموذج لوجيستي لتحليل أثر الجنس ووسط الإقامة والإقليم وحجم الأسرة ومستوى تعليم رب الأسرة وظروف السكن على المسارات التعليمية، مع إبراز حالة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتأثيرها على فرص التمدرس والاستمرار الدراسي.
واستنادا لمعطيات الإحصاء السكاني لسنة 2024، فقد دخلت جهة بني ملال خنيفرة، مرحلة ديموغرافية جديدة تتسم ببطء واضح في النمو السكاني، حيث لم يتجاوز معدل النمو السنوي خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2024 نسبة 0.02 في المائة، في مؤشر يعكس التحول التدريجي الذي تعرفه البنية السكانية بالجهة، على غرار ما تعرفه باقي جهات المملكة، كما أبرزت نتائج الإحصاء تراجعا في معدلات الخصوبة، وتغيرا في أنماط الزواج والبنيات الأسرية، إلى جانب انخفاض متوسط حجم الأسرة إلى 4.1 أفراد، مقابل ارتفاع مؤشرات الشيخوخة الديموغرافية، بعدما ارتفعت نسبة السكان البالغين 60 سنة فما فوق من 10 إلى 15.2 في المائة.
هذه التحولات الديموغرافية فهي لا تبرزعن متغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة وحسب، بل تعكس في الآن ذاته مكتسبات تنموية مهمة واختلالات بنيوية لا تزال تلقي بظلالها على واقع الجهة، ففي قطاع التعليم، سجلت الجهة تراجعا ملحوظا في معدل الأمية، الذي انخفض من 39.1 في المائة سنة 2014 إلى 32 في المائة سنة 2024، غير أن هذا التحسن لا يخفي استمرار تفاوتات صارخة حسب الجنس ووسط الإقامة، حيث تصل نسبة الأمية في صفوف النساء إلى 40.9 في المائة على المستوى الجهوي، فيما تبلغ وسط أرباب الأسر بالعالم القروي 56.6 في المائة، وفي المقابل، بلغت نسبة تمدرس الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 6 و11 سنة حوالي 96.2 في المائة.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد كشفت نتائج الإحصاء عن تراجع معدل النشاط الاقتصادي من 43.7 في المائة سنة 2014 إلى 37.3 في المائة سنة 2024، في ظل استمرار ضعف إدماج النساء في سوق الشغل، حيث لا تتجاوز نسبة نشاطهن 11.2 في المائة، مع تسجيل انهيار أكبر لدى المرأة القروية، بعدما تراجع معدل نشاطها من 10.4 إلى 6.1 في المائة خلال العقد الأخير. كما تعكس المعطيات صعوبة ولوج الشباب إلى سوق الشغل، وهيمنة القطاع الخاص والعمل الهش والعمل الذاتي، إلى جانب اتساع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المجالين الحضري والقروي .أما فيما يتعلق بالبنيات الأساسية وظروف العيش، أظهرت معطيات الإحصاء تحسنا نسبيا في مؤشرات الولوج إلى الخدمات الأساسية، حيث ارتفعت نسبة الربط بالكهرباء إلى 95.8 في المائة، والماء الصالح للشرب إلى 82.6 في المائة، وشبكات التطهير إلى 54 في المائة، إلى جانب تطور أنماط السكن وتراجع السكن غير اللائق، غير أن هذه المكتسبات لا تحجب استمرار التفاوتات المجالية، خاصة بالعالم القروي، إذ تبلغ نسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب 96.6 في المائة بالوسط الحضري مقابل 65.5 في المائة فقط بالوسط القروي، فيما تصل نسبة الربط بشبكات الصرف الصحي إلى 92.1 في المائة بالمجال الحضري مقابل 7.6 في المائة فقط بالمجال القروي.
وتبرز معطيات الإحصاء كذلك تراجعا في معدلات الفقر متعدد الأبعاد خلال العشرية الأخيرة، حيث انخفضت نسبة السكان في وضعية فقر متعدد الأبعاد بـ7.5 نقاط مئوية، خاصة بالعالم القروي، غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي استمرار فوارق ترابية وإقليمية واضحة، ما يجعل من الفقر متعدد الأبعاد ظاهرة قروية بامتياز، ويطرح من جديد سؤال فعالية سياسات الاستهداف الترابي والعدالة المجالية، وأمام هذه التحولات المتشابكة، طرحت هذه الندوة العلمية سؤال ملاءمة السياسات العمومية مع الحاجيات المتجددة للساكنة، سواء في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والسكن، أو على مستوى التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق المجالية.
وفي الختام يمكن القول بناءا على مختلف مداخلات هذه الندوة وتنوع متدخليها واختلاف تخصصاتهم فقد اعتبرت محطة أكاديمية ومؤسساتية لتقوية النقاش العمومي حول مستقبل التنمية بالجهة، وفرصة لإعادة التفكير في السياسات العمومية انطلاقا من التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي كشفت عنها نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بما سيساهم في بناء نموذج تنموي جهوي أكثر توازنا واستدامة وقدرة على تحقيق العدالة المجالية والتماسك الاجتماعي.





قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.