السوق الرقمي والرواج الانتخابي….. قراءة ساخرة في اقتصاد التأثير وصناعة الكفاءات الانتخابية

بقلم: ابن سعيد بختاوي

كان الفضاء الرقمي، في بداياته، وعدًا جميلًا: فضاءً لتبادل الأفكار، ونشر المعرفة، وتقاسم التجارب، وفتح النقاش العمومي أمام الجميع. لكن الانتخابات، كعادتها، تملك قدرة عجيبة على تحويل كل شيء إلى وظيفة موسمية.

وهكذا بدأ السوق الرقمي الانتخابي يفتح أبوابه.

فجأة، يظهر بعض المؤثرين وهم يمارسون مهنة جديدة: التعريف بالكفاءات الانتخابية. ولا بأس أن تكون الكفاءة مجهولة قبل الحملة، المهم أن تكون لها صورة جميلة، وفيديو جيد، ومقدمة حماسية… وأن يكون صاحبها قادرًا على دفع فاتورة الرواج.

في هذا السوق، لا تسأل كثيرًا عن البرنامج، بل عن عدد المشاهدات. ولا تسأل عن حجم الإنجازات، بل عن حجم المتابعين. أما الكفاءة، فقد أصبحت قابلة للتسويق مثل أي منتوج آخر،

اقتصاد الصوت الواحد

ومن الظواهر الأكثر إثارة للاهتمام ظهور ما يمكن تسميته في الأدبيات الانتخابية بـ «الكتلة الانتخابية الوهمية».

شخص لا يملك في الواقع سوى صوته، أو ربما صوت أسرته، لكنه يقف أمام الكاميرا ويتحدث باسم قبيلة كاملة، ويقدم نفسه باعتباره «صوت المنطقة» و«ممثل الساكنة» و«الناطق باسم الأعيان والشباب والنساء…».

وبعد قليل، يجد المرشح نفسه أمام فاتورة مالية، بناءً على رصيد انتخابي لم يخضع لأي تدقيق إحصائي.

المفارقة أن بعض المرشحين يملكون المال الكافي لشراء الوهم، لكنهم لا يملكون الوقت الكافي للتحقق من حجمه.

ولو طُبقت على هؤلاء أبسط قواعد الإحصاء، لاكتشفنا أن العينة التي يمثلها السمسار أحيانًا هي نفسه!

من شبه الصحافة إلى شبه التحليل

ولم يتوقف التطور عند هذا الحد.

فقد أصبحنا أمام ظاهرة أخرى: أشباه الصحافة يتحولون إلى محللين سياسيين، وأشباه المحللين يقدمون أنفسهم كخبراء في قراءة الخريطة الانتخابية، وأشباه المؤثرين يتحولون إلى مخرجين لسيناريوهات النجاح.

يستضيف المؤثر محللًا، ويستضيف المحلل مرشحًا، ويتحدث الجميع عن «المؤشرات» و«المعطيات» و«الزخم الشعبي» و«الحضور القوي»…

أما مصدر هذه المؤشرات، فغالبًا ما يكون مجهولًا.

وقد يكون أهم مؤشر في الدراسة كلها هو: كم دفع المرشح مقابل الحلقة؟

صناعة النجاح قبل الانتخابات

الأكثر طرافة أن بعض السيناريوهات الرقمية أصبحت تمنح المرشح النجاح قبل أن يدخل صندوق الاقتراع.

تُصنع له صورة «الرجل القوي»، ويُقدم باعتباره «مرشح المرحلة»، وتظهر فيديوهات تتحدث عن «الالتفاف الشعبي حوله»، ويُستضاف أشخاص يشهدون بكفاءته ونضاله وشعبيته.

كل شيء جاهز…

بقي فقط أن تأتي الانتخابات وتؤكد ما قرره السيناريو مسبقًا!

لكن صندوق الاقتراع، ولحسن الحظ، لا يتابع البث المباشر، ولا يقرأ التعليقات، ولا يعرف عدد المشاهدات.

عندما يصبح الرواج بديلاً عن الشعبية

المشكلة ليست في استعمال التكنولوجيا أو وسائل التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية؛ فهذا جزء طبيعي من تطور التواصل السياسي.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الرواج الرقمي بديلاً عن الشعبية الحقيقية، وعندما تتحول المشاهدة إلى صوت، والمتابع إلى ناخب، والتعليق إلى تزكية، والبث المباشر إلى استطلاع رأي.

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى:

قد يكون الشخص مشهورًا على الهاتف، لكنه مجهول في الحي؛ وقد يكون له آلاف المتابعين، ولا يملك صوتًا انتخابيًا واحدًا خارج شاشة هاتفه.

خاتمة: الصندوق أكثر تواضعًا من الشاشة

الساحة الرقمية فضاء مهم للديمقراطية عندما تُستخدم لنشر الأفكار، ومناقشة البرامج، ومراقبة أداء المنتخبين، وتسهيل وصول المواطن إلى المعلومة.

لكنها تتحول إلى سوق انتخابية عندما يصبح السؤال الأول: «من يدفع؟»، والسؤال الأخير: «كم عدد المشاهدات؟».

وفي النهاية، يبقى صندوق الاقتراع أكثر تواضعًا من الشاشة وأكثر صرامة من المؤثرين.

فهو لا يسأل عن عدد المتابعين، ولا عن عدد المقابلات، ولا عن عدد القبائل التي تحدث باسمها أحدهم.

إنه يسأل سؤالًا واحدًا فقط:

كم صوتًا حقيقيًا حصلت عليه؟

وهنا، غالبًا، تنتهي الأسطورة الرقمية… وتبدأ الحقيقة الانتخابية.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.