كيف نحول الديمقراطية إلى قوة تنموية؟…

بقلم د. إدريس الفينة

ليست الديمقراطية غاية في حد ذاتها، ولا يكفي أن تتحول إلى طقس انتخابي يتكرر كل خمس سنوات. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تصبح قوة تنموية؛ أي عندما تساهم في تحسين القرار العمومي، وتوسيع الثقة، وتحرير الكفاءات، وتصحيح السياسات، وإشراك المجتمع في بناء المستقبل. فالديمقراطية التي لا تنتج تنمية تبقى ناقصة، والتنمية التي لا تستند إلى مشاركة ومحاسبة وثقة تبقى هشة ومعرضة للاختلال.

في المغرب، تطورت المؤسسات، وتراكمت التجربة الانتخابية، وتوسع حضور الأحزاب والجماعات الترابية والبرلمان والمجتمع المدني. غير أن السؤال الجوهري اليوم لم يعد هو: هل نملك مؤسسات ديمقراطية؟ بل: هل تعمل هذه المؤسسات كآليات حقيقية لإنتاج التنمية؟ هل تساعد على اختيار أفضل الكفاءات؟ هل تسمح بتصحيح الأخطاء؟ هل ترفع جودة القرار؟ هل تجعل المواطن شريكاً في السياسات العمومية لا مجرد متفرج أو ناخب موسمي؟

من منظور أنثروبولوجي، لا يمكن فهم الديمقراطية فقط عبر الدستور والقوانين والانتخابات. فالديمقراطية تدخل إلى مجتمع له ذاكرته وثقافته وعلاقاته العميقة بالسلطة والعائلة والجماعة والقبيلة والإدارة والمصلحة. لذلك، فإن نجاحها لا يتوقف على النصوص وحدها، بل على قدرة المجتمع على تحويلها إلى سلوك يومي: قبول الاختلاف، احترام القانون، الثقة في المؤسسة، ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الفردية والضيقة.

أول عائق أمام تحول الديمقراطية إلى قوة تنموية هو ضعف الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق البرامج. في كثير من الحالات، لا يزال التصويت يتأثر بالقرب العائلي أو القبلي أو المحلي، أو بالقدرة على تقديم خدمات فردية، أكثر مما يتأثر بجودة البرنامج والكفاءة والقدرة على الإنجاز والتقييم والمحاسبة. هذا لا يعني أن المواطن لا يفهم السياسة، بل يعني أنه يتصرف داخل بيئة اجتماعية تجعله يبحث عن الحماية والوساطة والخدمة المباشرة، لأنه لا يثق دائماً في أن المؤسسة ستنصفه بالسرعة والعدالة المطلوبتين.

هنا تفقد الديمقراطية جزءاً من قوتها التنموية. فعندما يصبح المنتخب وسيطاً للحصول على خدمة، بدل أن يكون صانعاً للسياسات، تتراجع جودة القرار. وعندما يصبح الحزب آلة انتخابية بدل أن يكون مصنعاً للأفكار والكفاءات، تضعف قدرة الديمقراطية على إنتاج التنمية. وعندما يصبح التصويت علاقة شخصية لا تعاقداً برنامجياً، يصعب ربط المسؤولية بالنتائج.

العائق الثاني هو ضعف الثقة. لا يمكن للديمقراطية أن تنتج التنمية إذا كان المواطن لا يثق في صوته، ولا في الأحزاب، ولا في الإدارة، ولا في جدوى المشاركة. الثقة هي الوقود الخفي لكل تجربة ديمقراطية ناجحة. المواطن الذي يثق يشارك، يقترح، ينتقد، يصوت، يراقب، ويصبر على التدرج. أما المواطن الذي فقد الثقة فينسحب، أو يحتج دون تنظيم، أو يصوت بمنطق عقابي، أو يبحث عن حلول فردية خارج المؤسسة.

لذلك، فإن بناء الديمقراطية التنموية يمر أولاً عبر ترميم الثقة. وهذا لا يتحقق بالشعارات، بل بالنتائج الملموسة: مدرسة أفضل، مستشفى أكثر احتراماً، إدارة أسرع، جماعة أكثر إنصاتاً، منتخب يشرح قراراته، وحكومة تقدم كشف حساب واضحاً. الثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُبنى أمامه عبر الممارسة اليومية.

العائق الثالث هو ضعف الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها. لا يمكن أن ننتظر من أحزاب مغلقة أن تنتج حياة سياسية مفتوحة. الحزب الذي لا يجدد نخبه، ولا يصعد الشباب، ولا يفتح المجال أمام النساء والكفاءات، ولا يسمح بالنقاش الداخلي، يتحول إلى جهاز انتخابي لا إلى مؤسسة ديمقراطية. والديمقراطية التنموية تحتاج إلى أحزاب قادرة على إنتاج الأفكار، لا فقط توزيع التزكيات؛ وقادرة على تكوين المسؤولين، لا فقط حشد الأصوات؛ وقادرة على تقديم بدائل، لا فقط ترديد الشعارات.

الحزب في الديمقراطية التنموية يجب أن يكون مدرسة للكفاءة والمسؤولية. يجب أن يختار مرشحيه بناء على المعرفة والنزاهة والقدرة على تدبير الشأن العام، لا فقط بناء على المال أو النفوذ أو الشعبية المحلية. فحين تتحسن جودة النخب الحزبية، تتحسن جودة الجماعات والبرلمان والحكومة. وحين تضعف الأحزاب، تضعف الدولة نفسها في قدرتها على إنتاج القرار العمومي الجيد.

العائق الرابع هو اختزال الديمقراطية في الانتخابات. الانتخابات ضرورية، لكنها ليست كافية. الديمقراطية الحقيقية تبدأ قبل التصويت وتستمر بعده. تبدأ في النقاش العمومي، في الإعلام، في المدرسة، في الجامعة، في الجمعيات، في الجماعات، وفي قدرة المواطن على الوصول إلى المعلومة. وتستمر بعد الانتخابات عبر التقييم والمساءلة والمراقبة وتتبع الوعود.

من هنا، لا يمكن أن تتحول الديمقراطية إلى قوة تنموية إلا إذا أصبح كل برنامج انتخابي قابلاً للقياس. يجب أن يعرف المواطن ماذا وُعد به، وما تحقق، وما لم يتحقق، ولماذا. التنمية تحتاج إلى مؤشرات، والديمقراطية تحتاج إلى محاسبة. وعندما يلتقي المؤشر بالمحاسبة، يصبح التصويت أداة عقلانية لتصحيح المسار، لا مجرد لحظة عاطفية أو احتجاجية.

العائق الخامس هو ضعف الديمقراطية المحلية. الجماعة الترابية هي المكان الأول الذي يختبر فيه المواطن معنى الديمقراطية. المواطن لا يلتقي الديمقراطية أولاً في البرلمان، بل في الشارع، في الرخصة، في الإنارة، في النظافة، في النقل، في السوق، في المدرسة القريبة، وفي المستوصف. إذا شعر المواطن أن صوته يغير واقعه المحلي، فإنه سيؤمن بالديمقراطية. وإذا شعر أن الجماعة لا تسمعه، وأن القرار غامض، وأن الوعود لا تتحقق، فإنه سيفقد الثقة في السياسة كلها.

لذلك، فإن تحويل الديمقراطية إلى قوة تنموية يبدأ من المجال المحلي. يجب أن تصبح الجماعات فضاءات للتخطيط الجيد، والشفافية، والإنصات، ونشر المعلومات، وتقييم المشاريع. ويجب أن تكون الميزانيات المحلية مفهومة للمواطن، وأن تكون الأولويات مبنية على حاجات السكان لا على الحسابات الانتخابية الضيقة. فالديمقراطية المحلية الناجحة هي التي تجعل المواطن يرى أثر صوته في حياته اليومية.

العائق السادس هو ضعف ثقافة المحاسبة. في مجتمعات كثيرة، يتحول المنصب إلى امتياز، بينما في الديمقراطية التنموية يجب أن يكون المنصب مسؤولية مؤقتة مرتبطة بالنتائج. المسؤول، سواء كان وزيراً أو برلمانياً أو رئيس جماعة أو مديراً عمومياً، يجب أن يشرح ما فعل، وما لم يفعل، وما كلفة قراراته، وما أثرها على الناس.

المحاسبة لا تعني التشهير أو الانتقام، بل تعني حماية المصلحة العامة. وهي لا يجب أن تكون موسمية أو انتقائية، بل ممارسة مؤسساتية منتظمة. فالديمقراطية لا تتقوى فقط بحرية التعبير، بل أيضاً بجدية التقييم. وعندما يعرف المسؤول أنه سيحاسب على النتائج، يصبح أكثر حرصاً على القرار الجيد، وأكثر احتراماً للوقت العام، وأكثر انتباهاً للكلفة الاقتصادية والاجتماعية لاختياراته.

أما الحلول الممكنة، فتبدأ أولاً بإعادة تعريف وظيفة الديمقراطية في الوعي العام. يجب أن نخرج من فكرة أن الديمقراطية مجرد تنافس على السلطة، إلى فكرة أنها آلية جماعية لتحسين الحياة. الديمقراطية ليست فقط من يحكم، بل كيف يحكم، وبأي كفاءة، وبأي برنامج، وبأي نتائج. إنها نظام لتقليل الأخطاء، لا لإلغائها بالكامل؛ ونظام لتصحيح السياسات، لا لتقديسها؛ ونظام لفتح المجال أمام الكفاءات، لا لإعادة إنتاج نفس النخب.

الحل الثاني هو بناء مواطن ديمقراطي منذ المدرسة. لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يمارس الديمقراطية في سن الرشد إذا لم يتعلم منذ الصغر النقاش، والاختلاف، واحترام القانون، والعمل الجماعي، والتمييز بين الرأي والمعلومة. التربية على الديمقراطية ليست درساً نظرياً، بل ممارسة داخل القسم، داخل المؤسسة، داخل الجامعة، وداخل الفضاء العمومي.

الحل الثالث هو ربط الديمقراطية بالكفاءة. لا تنمية بلا كفاءات، ولا ديمقراطية قوية إذا كانت تفتح الطريق فقط للأكثر قدرة على التعبئة الانتخابية لا للأكثر قدرة على التدبير. يجب أن تصبح الأحزاب مطالبة بتقديم نخب قادرة على فهم الاقتصاد، والمجال، والميزانية، والسياسات الاجتماعية، والتحولات التكنولوجية، والرهانات البيئية. المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى منتخب محبوب، بل إلى منتخب يفهم الملفات ويملك القدرة على الإنجاز.

الحل الرابع هو رقمنة المشاركة والمحاسبة. يمكن للتكنولوجيا أن تجعل الديمقراطية أكثر قرباً من المواطن: منصات لتتبع الوعود الانتخابية، نشر ميزانيات الجماعات، استقبال الشكايات، تقييم الخدمات، تنظيم الاستشارات العمومية، وتتبع المشاريع المحلية. لكن الرقمنة لا يجب أن تكون واجهة شكلية، بل أداة لإنتاج الشفافية وتقريب القرار من الناس.

الحل الخامس هو تحرير النقاش العمومي من الرداءة. لا يمكن للديمقراطية أن تكون قوة تنموية إذا كان النقاش السياسي قائماً على التخوين، والإشاعة، والتبسيط، والتبخيس، والصراخ. التنمية تحتاج إلى نقاش عقلاني حول الأرقام، والأولويات، والاختيارات، والكلفة، والنتائج. لذلك، فإن الإعلام، والجامعة، ومراكز البحث، والمجتمع المدني، مطالبون برفع مستوى النقاش، لا بمجاراة الشعبوية أو تحويل السياسة إلى فرجة.

الحل السادس هو جعل الديمقراطية فضاءً لإنتاج التوافقات الكبرى. فبعض القضايا لا يمكن أن تُدبر بمنطق الأغلبية والمعارضة فقط: التعليم، الصحة، الماء، التشغيل، الصناعة، العدالة المجالية، والتحول الرقمي. هذه ملفات تحتاج إلى تعاقدات وطنية طويلة النفس، تشارك فيها الحكومة والأحزاب والنقابات والمقاولات والجماعات والخبراء والمواطنون. الديمقراطية التنموية ليست فقط صراعاً سياسياً، بل قدرة على بناء اتفاقات كبرى حول المستقبل.

في العمق، الديمقراطية تصبح قوة تنموية عندما تنتقل من الشكل إلى الأثر. أي عندما يشعر المواطن أن المشاركة تغير شيئاً، وأن النقد يسمع، وأن المنتخب يحاسب، وأن الحزب ينتج حلولاً، وأن الإدارة تحترم القانون، وأن السياسات العمومية تقاس بنتائجها. أما إذا بقيت الديمقراطية محصورة في الصناديق والخطابات والرموز، فإنها ستظل عاجزة عن إنتاج التحول المطلوب.

المغرب حقق تراكما مهما في تكريس الديموقراطية التنموية. لديه مؤسسات، وتجربة انتخابية، ودستور متقدم، ومجتمع يتحول، ونخب جديدة، وشباب أكثر تعليماً، ونساء أكثر حضوراً في الفضاء العام. لكن التحدي اليوم هو تحويل هذا الرصيد إلى قوة تنموية حقيقية. وهذا يتطلب شجاعة في إصلاح الأحزاب، وجرأة في تقييم السياسات، ووضوحاً في البرامج، واحتراماً أكبر للمواطن، وربطاً صارماً بين المسؤولية والنتائج.

الديمقراطية التي يحتاجها المغرب ليست ديمقراطية شكلية لتزيين الواجهة، ولا ديمقراطية صاخبة تستهلك نفسها في الجدل، بل ديمقراطية منتجة: تنتج الثقة، وتنتج الكفاءة، وتنتج المحاسبة، وتنتج القرار الجيد. وحين تتحول الديمقراطية إلى هذه الوظيفة، تصبح رافعة للتنمية، لا مجرد إطار سياسي؛ وتصبح وسيلة لبناء المستقبل، لا فقط وسيلة لتدبير الحاضر.

إن السؤال، في النهاية، ليس هل نريد الديمقراطية، بل أي ديمقراطية نريد؟ ديمقراطية الأشخاص أم ديمقراطية المؤسسات؟ ديمقراطية الولاءات أم ديمقراطية البرامج؟ ديمقراطية الخطاب أم ديمقراطية النتائج؟ الجواب عن هذه الأسئلة هو الذي سيحدد إن كانت الديمقراطية ستظل ممارسة موسمية، أم ستتحول فعلاً إلى قوة تنموية قادرة على دفع المغرب نحو مرحلة أكثر عدلاً وفعالية وثقة.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.