التسرع يسرق من صاحبه متعة الوصول، والصبر يعرف طريقه إلى النهاية..

سعيد حجي

خلال صافرة نهاية الشوط الأول لم يكن في ذاكرتي ما يستحق أن أحمله معي إلى الخارج. المباراة كانت تسير ببطء، والكرات تتبادل المواقع فوق العشب دون أن تعثر على الجملة التي تنتظرها الجماهير. الشيء الوحيد الذي بقي عالقا في رأسي ثلاثة شباب جلسوا أمامي منذ البداية. كانوا يملكون حماسة تكفي لملء المقهى كله، وحين أخطأ لاعب في تمريرة، انطلقت الشتائم. وحين ضاعت فرصة، ارتفع صوتهم أكثر. وحين انتهت الدقائق الخمس والأربعون الأولى، أعلنوا هزيمة المنتخب قبل أن يعلنها أحد. وقفوا دفعة واحدة، أقسموا أن الفوز سيكون من نصيب الخصم، ثم غادروا المكان غاضبين، تاركين فناجينهم نصف ممتلئة وكلماتهم معلقة في الهواء….
راقبتهم حتى اختفوا خلف باب المقهى، ثم تنفست براحة لم أعترف بها حتى لنفسي. كانوا طوال القامة إلى درجة أن الشاشة كانت تختفي كلما تحرك أحدهم. ضخامة جسم أحدهم كانت تجعلني أميل يمينا ويسارا بحثا عن زاوية أرى منها الكرة. طوال الشوط الأول كنت أشاهد المباراة من بين الأكتاف والرؤوس، أكثر مما أشاهدها من الشاشة. وحين غادروا، عاد التلفاز إلى حجمه الطبيعي، وعادت المسافات إلى أماكنها.
طلبت كأس شاي آخر، ولم أشعر بأي استعجال. بقي داخلي شيء صغير اسمه الأمل، يكفي لأن أجلس وأنتظر. كنت أتابع المدرب أكثر مما أتابع الكرة. في كل مرة تقترب منه الكاميرا، كان يقف هادئا، لا يصرخ، لا يلوح بذراعيه، لا يركض على خط التماس. عيناه تتحركان فوق الملعب كما تتحرك عينا لاعب شطرنج أمام رقعة يعرف أن المباراة طويلة، وأن نقلة واحدة قد تغير كل ما سبقها.
لطالما أحببت الشطرنج لأنها اللعبة الوحيدة التي تعلم صاحبها أن الصبر جزء من الهجوم. القطعة لا تتحرك لأنها استعجلت، وإنما لأنها وجدت اللحظة المناسبة. الفارس يلتف في طريق لا يفهمه المتفرجون، ثم يكتشف الجميع بعد دقائق أن تلك القفزة القصيرة كانت بداية الحصار. الفيل يظل ساكنا زمنا طويلا، ثم يقطع الرقعة في لحظة واحدة. الملك يبدو بطيئا، ومع ذلك تدور المعركة كلها حول سلامته.
كنت أشاهد المدرب بالطريقة نفسها. لم يكن ينظر إلى الدقيقة التي يعيشها، وإنما إلى الدقائق التي ستأتي. كان يحرك المباراة داخل رأسه قبل أن يحرك اللاعبين على أرضية الملعب. كنت أشعر أن التبديلات لم تكن أسماء تنتظر الإشارة للدخول، كانت قطع محفوظة خارج الرقعة، تنتظر اللحظة التي يصبح وجودها ضرورة.
بدأ الشوط الثاني، ومعه بدأت الرقعة تتغير. دخل الطالبي، ودخل أمرابط، وتحركت المراكز، وتبدلت المسافات، وبدأت الكرة تجد طرقا لم تكن موجودة قبل دقائق. لم يكن أحد يركض بلا معنى. كل لاعب أخذ مكانا فتح بابا لزميله، وكل تمريرة كانت تمهد لما بعدها. التفاصيل الصغيرة أخذت تتجمع مثل قطرات ماء، حتى امتلأ النهر.
في تلك اللحظات فهمت أن الصبر يشبه طنجرة ضغط موضوعة فوق نار متوسطة. من يقف أمامها قد يظن أن شيئا لا يحدث. الغطاء ساكن، والمطبخ هادئ، والوقت يمضي ببطء. داخل الطنجرة كانت الحرارة تعمل بصمت، وكانت المكونات تتعارف، وكانت النكهة تولد بعيدا عن أعين الجميع. الذي يرفع الغطاء قبل أوانه لا يحصل إلا على لحم قاس، ويعيد كل شيء إلى نقطة البداية. الحياة تملك الطبخة نفسها، والنجاح يملك الطبخة نفسها، وحتى مباريات كرة القدم تملك الطبخة نفسها.
ثم جاء الهدف الأول.
كان صوتا يقول إن الصبر بدأ يحصد أول ثماره. ارتفع المقهى دفعة واحدة، وتحولت الطاولات إلى أمواج من التصفيق. تبادل الغرباء النظرات والابتسامات، وكأنهم يعرفون بعضهم منذ سنوات.
ولم تمض دقائق كثيرة حتى جاء الهدف الثاني. هنا تغيرت الوجوه تماما. الخوف خرج من المكان، والفرح تمدد فوق الكراسي، والحديث الذي كان ممتلئا بالشك تحول إلى ضحكات عالية. حتى صاحب المقهى نسي طلبات الزبائن للحظات، ووقف يحدق في الشاشة مبتسما.
أما الهدف الثالث فقد كان الخاتمة التي تليق بحكاية انتظرت وقتها. شعرت أن المباراة أغلقت كتابها في الصفحة الصحيحة. لم يعد أحد يفكر في الشوط الأول، ولا في الكلمات الثقيلة التي ملأت المقهى قبل ساعة.
وفي تلك اللحظة عاد الشباب الثلاثة.
دخلوا بهدوء هذه المرة، يبحثون بأعينهم عن أماكنهم القديمة. وجدوا الكراسي مشغولة بأشخاص آخرين وصلوا بعدهم. ظلوا واقفين لحظات، ثم اتجه كل واحد إلى زاوية مختلفة. لم ينتبه إليهم أحد، فقد كانت الأعين كلها معلقة بالملعب.
ابتسمت في صمت. خطر ببالي أن الحياة تحتفظ دائما بمقاعدها لمن يعرف كيف ينتظر، وتمنح الفرص لمن يبقى حتى النهاية. الذين يغادرون عند أول خيبة يعودون كثيرا ليجدوا أماكنهم قد امتلأت، وأحاديثهم قد نسيها الجميع.
خرجت من المقهى بعد صافرة النهاية وأنا أحمل معي ما هو أبعد من نتيجة بثلاثة أهداف. حملت فكرة صغيرة، تصلح لكرة القدم كما تصلح للحياة. بعض الناس يغادرون عند أول تعثر، ويطلقون أحكامهم قبل أن تكتمل الحكاية، وبعضهم يظل جالسا في مكانه، يراقب بهدوء، ويترك الوقت يؤدي عمله. هذا المساء انتصر المنتخب، وانتصر معه الصبر أيضا. أما أولئك الشباب، فقد عادوا يبحثون عن مقاعدهم بعدما امتلأت بغيرهم، وبقيت صورة المدرب الهادئ عالقة في ذهني، يحرك قطعه بثقة حتى انتهت المباراة كما أرادها، تاركا درسا بسيطا يكفي لليلة كاملة: التسرع يسرق من صاحبه متعة الوصول، والصبر يعرف طريقه إلى النهاية..




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.