بقلم د. إدريس الفينة
كلما اقترب موعد انتخابي كبير في المغرب، يعود إلى السطح خطاب مألوف: هناك أزمة سياسية، هناك أزمة ثقة، هناك فراغ، هناك موت للسياسة. هذا الخطاب ليس جديداً. الجديد اليوم أنه يعود في لحظة مختلفة تماماً؛ لحظة لا تعيش فيها الدولة شللاً مؤسساتياً، ولا فراغاً في القرار العمومي، ولا توقفاً في الأوراش الكبرى، بل تعيش على العكس مرحلة انتقالية كثيفة، عنوانها إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية استعداداً لما بعد 2026 وأفق 2030.
النقاش الذي أطلقته بعض الأطراف، ومن بينها مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، حول وجود أزمة سياسية عشية انتخابات 2026، يستحق التوقف عنده، لكن ليس بالضرورة من زاوية التسليم به. فقد احتضنت المؤسسة لقاءً يوم 30 يونيو بالرباط حول انتخابات 2026، دعت فيه بعض الشخصيات إلى “ميثاق” قبلي يتعلق بالحريات، وتضارب المصالح، والخدمات العمومية، حتى لا تتحول الانتخابات إلى سباق مقاعد فقط. كما اعتبر نبيل بنعبد الله أن المغرب يعيش “أزمة سياسية” أو “أزمة سياسة”.
لكن السؤال الجوهري هو: هل نحن فعلاً أمام أزمة سياسية بالمعنى العميق للكلمة، أم أمام أزمة موقع لدى بعض الفاعلين الذين لم يعودوا قادرين على قراءة الزمن السياسي الجديد؟ هنا ينبغي التمييز بين أزمة السياسة كإحساس عام بضعف النقاش العمومي، وبين أزمة سياسية كتعطل للمؤسسات أو عجز للدولة عن إنتاج القرار. المغرب لا يعيش الحالة الثانية. هناك مؤسسات تشتغل، أغلبية قائمة، معارضة تتحرك، أحزاب تستعد، انتخابات مقبلة، وأوراش كبرى مفتوحة. لذلك فالحديث عن أزمة شاملة يبدو أقرب إلى محاولة ضغط سياسي قبلي منه إلى تشخيص موضوعي بارد.
جزء من هذه الأصوات يبدو كأنه قادم من زمن سياسي قديم. يمكن تسميتهم، بالمعنى الرمزي لا القدحي، “أهل الكهف السياسي”: فاعلون ظلوا أسرى مفردات قديمة، صراعات قديمة، وحنين إلى زمن كانت فيه السياسة تُقاس بقوة الشعار لا بصلابة البرنامج. هؤلاء لم يستوعبوا أن الناخب المغربي تغير، وأن الدولة تغيرت، وأن الأولويات تغيرت. لم تعد السياسة اليوم مجرد خطاب أيديولوجي، بل أصبحت قدرة على تدبير الماء، والطاقة، والاستثمار، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والتحول الرقمي، والتموقع الجيو-اقتصادي.
ولا يمكن إنكار أن المرحلة الحالية عرفت أوراشاً كبرى يصعب اختزالها في منطق التدبير العادي. المغرب أطلق تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم المباشر للأسر، ضمن مسار وُصف رسمياً بأنه ورش لتعزيز الدولة الاجتماعية وتقليص الفوارق. كما أن الاقتصاد دخل، حسب البنك الدولي، مرحلة زخم جديد مدفوع بالاستثمار في البنيات التحتية وتعافي الفلاحة، مع توقع نمو في حدود 4.2% سنة 2026 رغم استمرار ضعف سوق الشغل.
هذا لا يعني أن كل شيء جيد. البطالة، ضعف المشاركة النسائية، تفاوت جودة الخدمات العمومية، وثقل البيروقراطية كلها ملفات حقيقية. البنك الدولي نفسه يعتبر أن المغرب حقق تقدماً، لكنه لم يحول النمو بعد إلى ما يكفي من فرص الشغل، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والنساء، ويرى أن الإصلاحات الهيكلية يمكن أن ترفع الناتج الحقيقي وتخلق 1.7 مليون منصب إضافي في أفق 2035. لكن وجود تحديات اجتماعية واقتصادية لا يعني بالضرورة وجود أزمة سياسية. إنه يعني أن البلاد تحتاج إلى عرض سياسي أكثر دقة، لا إلى مزايدات أكثر ضجيجاً.
في المقابل، هناك أحزاب تشتغل فعلاً. تهيئ البرامج، تبحث عن الكفاءات، تعيد ترتيب لوائحها، وتحاول فهم متطلبات المرحلة المقبلة. هذه الأحزاب تدرك أن انتخابات 2026 لن تكون انتخابات شعارات فقط، بل انتخابات كفاءة وقدرة على مواكبة ملفات ضخمة: الدولة الاجتماعية، الحكم الذاتي، كأس العالم 2030، الأمن الغذائي والطاقي، الماء، التشغيل، والاستثمار الخاص. وقد وصفت بعض التحليلات انتخابات 2026 بأنها ستجري في سياق استثنائي يتطلب حكومة منسجمة وقادرة على تدبير رهانات أفق 2030.
هنا يكمن الفرق بين السياسة الحية والسياسة المتحفية. السياسة الحية تنتج حلولاً. السياسة المتحفية تنتج بيانات. السياسة الحية تبحث عن الكفاءات. السياسة المتحفية تبحث عن المواقع. السياسة الحية تفهم أن المغرب مقبل على دورة استثمارية وتنموية كبرى، حيث تشير تقديرات متداولة حول برنامج البنيات التحتية المرتبط بأفق 2030 إلى غلاف يفوق 190 مليار درهم بين 2024 و2030، مع تحديات واضحة تتعلق بجودة التنفيذ، التحكم في الكلفة، وتقليص التسرب نحو الواردات. أما السياسة المتحفية فتستمر في ترديد مفردات الأزمة دون تقديم هندسة بديلة قابلة للتنفيذ.
الأحزاب التي ستنجح في المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة الأكثر صراخاً، بل الأكثر واقعية. لن يكفي أن ترفع شعار محاربة الفساد أو الدفاع عن الديمقراطية أو حماية القدرة الشرائية. المطلوب هو أن تجيب بدقة: كيف سنخلق الشغل؟ كيف سنرفع إنتاجية المقاولة المغربية؟ كيف سنصلح المدرسة؟ كيف سنمول الدولة الاجتماعية؟ كيف سنحسن حكامة الاستثمار العمومي؟ كيف سنحول كأس العالم 2030 من حدث رياضي إلى رافعة تنموية؟ كيف سنضمن أن الأوراش الكبرى لا تبقى مجرد إسمنت وطرق وملاعب، بل تتحول إلى أثر اقتصادي واجتماعي دائم؟
أما الخطابات المتطرفة، سواء جاءت من اليمين أو اليسار أو من مواقع الغضب الشعبوي، فلن يكون لها أثر كبير في ما سيأتي. قد تخلق ضجيجاً مؤقتاً، وقد تنتج عناوين إعلامية، لكنها لن تصنع أغلبية ولا برنامجاً ولا ثقة. المغاربة لم يعودوا يبحثون عن من يصف لهم الأزمة فقط، بل عن من يمتلك القدرة على تحويل المشاكل إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.
لذلك، فالقول إن المغرب يعيش أزمة سياسية يحتاج إلى كثير من التدقيق. الأصح أن نقول إن هناك أزمة لدى جزء من النخب التي فقدت القدرة على التأثير، وأزمة لدى أحزاب لم تعد قادرة على تجديد خطابها، وأزمة لدى فاعلين يريدون استعمال خطاب الأزمة للضغط والتموقع قبل الانتخابات. أما البلاد، فهي في طور آخر: طور بناء مشاريع كبرى، وإعادة ترتيب النموذج الاجتماعي، والتحضير لاستحقاقات استراتيجية لن تنتظر أحداً.
الانتخابات المقبلة لن تكافئ nostalgia سياسية، ولن تكافئ المزايدة الفارغة. ستكافئ الحزب أو التكتل القادر على الجمع بين الواقعية والجرأة، بين البرنامج والكفاءة، بين الالتزام الاجتماعي والانضباط المالي، بين الدفاع عن الديمقراطية وفهم شروط التنمية. أما “أهل الكهف السياسي” الذين يعتقدون أن الزمن توقف عند قاموسهم القديم، فسيكتشفون أن المجتمع سبقهم، وأن الدولة سبقتهم، وأن الناخب لم يعد ينتظر خطبة، بل ينتظر عرضاً سياسياً قابلاً للتنفيذ.

