تباريح العشق…للكاتب أحمد آيت أعريان

ذ سعيد حجي

توصلتُ بنسخة من “مولود جديد” ينضاف إلى المكتبات المغربية ، موقّعة بإهداء كريم من الكاتب الروائي المغربي أحمد آيت العريان، إهداء يحمل في داخله دفء الاعتراف الخفيّ بين الكاتب والقارئ، ويؤسس منذ العتبة الأولى لعلاقة تتجاوز فعل القراءة نحو نوع من التواطؤ الوجداني والمعرفي، لذلك لا يسعني إلا أن أتقدّم له بجزيل الشكر والامتنان على هذه الالتفاتة التي تعيد الاعتبار لفكرة الكتاب كأثر حي يتنقّل بين الأيادي ويخلخل في مسارات الوعي طبقات من المعنى كانت راكدة….
الرواية، منذ انغماسي في نسيجها السردي، تكشّفت لي كفسيفساء مركّبة تتداخل فيها البنيات الاجتماعية مع الامتدادات الفلسفية، حيث لا تنفصل الحكاية عن سؤالها الأنطولوجي العميق، ولا تنفلت التفاصيل اليومية من قبضتها الرمزية التي تعيد تشكيل العالم وفق منظور يتغذّى من التوتر بين المعيش والمُتخيَّل، بين ما يُرى وما يُؤوَّل، فتصبح كل واقعة صغيرة بمثابة شقّ في جدار المعنى يُطلّ منه القارئ على قلق إنسانيّ أوسع، قلق يتعلّق بموقع الإنسان داخل منظومة تتنازعها المرجعيات وتتصارع فيها أنظمة التفسير…..
تنطلق الرواية عبر أسرة مغربية بسيطة، عليّ وشامة، وابناهما سعد ومحمد، أسرة تجسّد في بنيتها الداخلية نموذجا مصغّرا عن المجتمع، حيث تتجاور داخلها أنماط الوعي المختلفة، وتتقاطع فيها الرغبات مع الإكراهات، ويتحوّل البيت إلى مختبر حيّ لتحليل التحوّلات القيمية التي تعصف بالإنسان في سياق يتأرجح بين الإرث والتحديث، بين الذاكرة الجماعية وضغط الواقع…
في جزئها الأول، تفتح الرواية فضاءها على قرية من قرى جبال الأطلس، فضاء مشحون بكثافة رمزية، حيث الطبيعة القاسية تتماهى مع قسوة الشروط الاجتماعية، وحيث التقاليد تعيد إنتاج ذاتها عبر طقوس تلامس حدود الميتافيزيقا الشعبية، وفي هذا السياق يُطرح ملف الصراع بين الدين المؤسَّس والخرافة المتجذّرة، صراع يتجلّى في قرار نقل شامة إلى “بويا عمر”، ذلك الفضاء الذي يتحوّل داخل المخيال الجمعي إلى نقطة تماس بين المقدّس والمدنّس، بين الرغبة في الشفاء والخضوع لمنطق تأويليّ يختلط فيه الإيمان بالخوف والحب …
هنا، تتكثّف التوترات النفسية داخل الأسرة، ويتحوّل الفعل البسيط، فعل البحث عن علاج، إلى معضلة أخلاقية تشتبك فيها النيّة مع المرجعية، حيث يتصدّع اليقين تحت ضغط الحاجة، ويعاد تشكيل مفهوم التوكّل في ظلّ هشاشة التجربة الإنسانية أمام المرض، فينشأ ذلك المدّ والجزر بين صوت داخليّ يستند إلى العقيدة وصوت آخر ينبثق من غريزة الحبّ، حبّ الأمّ التي تساق نحو المجهول بدافع الأمل، وحبّ الأب الذي يتأرجح بين الخضوع والتردّد، وفي نهاية هذا المسار تتكرّس الغلبة للمرجعية الدينية، غلبة لا تأتي كانتصار بسيط، انما كإعادة ترتيب للمعنى داخل الذات، حيث يعاد ترميم التوازن عبر استعادة مركزية الإيمان…
وفي الجزء الثاني، تنفتح الرواية على تحوّل سوسيولوجيّ عميق، انتقال الأسرة من هامش البؤس إلى تدريج في الرفاه، مسار يفكّك آليات الصعود الاجتماعي داخل بنية ما تزال مشدودة إلى تناقضاتها الداخلية، حيث يتحسّن وضع علي تدريجيا، وتتشكّل طبقة جديدة من الطموح داخل العائلة، ويتحوّل سعد إلى مهندس، نموذج للنجاح الذي يعاد إنتاجه داخل الخطاب المجتمعي كأفق للخلاص الفردي، بينما يشقّ محمد مسارا آخر نحو تولوز بفرنسا، مسار يتقاطع فيه البعد المعرفي مع البعد العاطفي، حيث يتورّط في حبّ أستاذة جامعية فرنسية، علاقة تعيد طرح سؤال الهوية في سياق الاغتراب، وتفتح على إشكاليات التثاقف، والاختلاف، وإعادة تعريف الذات في مرآة الآخر…
في هذا الامتداد السردي، تتسرّب الرواية إلى أعماق القارئ عبر لغتها المباشرة التي تحمل في طيّاتها كثافة إيحائية، فتُحرّك في الوجدان طبقات من التأمّل، وتُثير أسئلة تتعلّق بطبيعة الحياة، بمساراتها غير المتوقّعة، بقدرة الإنسان على التكيّف مع التحوّلات، وبحدود اختياره داخل شبكة معقّدة من الشروط التاريخية والاجتماعية، حيث يتقاطع الفردي مع الجماعي، والذاتي مع البنيوي، فيتشكل ذلك النسيج الذي يجعل من الرواية فضاء للتفكير بقدر ما هي فضاء للحكي….
إن “المولود جديد” تشتغل على تفكيك البنية العميقة للمجتمع عبر تتبّع مصائر شخصياتها، حيث تُصبح السردية وسيلة لاستكشاف التصدّعات الخفية في الوعي، وتتحوّل الحكاية إلى أداة لإعادة مساءلة المسلّمات، فيغدو النصّ مجالا مفتوحا لتأويلات متعددة، تتغذّى من التفاعل بين القارئ والنص، وتُعيد إنتاج المعنى في كل قراءة، كأن الرواية نفسها كائن حيّ، يولد من جديد في كل مرّة، تماما كما يوحي عنوانها، حيث الولادة لا تحيل إلى البداية وانتهى ، انما إلى التحوّل المستمرّ، إلى ذلك القلق الخلّاق الذي يجعل من الوجود مشروعا مفتوحا على إمكاناته….




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.