محمد نخال
الهَمْسَةُ الأولى:
نَظَرتْ إلي نَظْرةَ المُشْتاقِ المُتْعَبِ، وقالتْ بِهَمْسٍ يُضاهِي تَشْبِيبَ نايٍ حَزين:
هل تُحِبُّني؟
قلتُ: أجَل!
قالتْ: هلْ تَعْشَقُني؟
قلتُ: أجَل!
تنَهَّدَتْ وتَصاعَدَتْ زَفَراتُها، حتَّى حَسِبْتُ صَدْرَها انْفَجَرَ كَبُرْكانٍ مُسْتَعِر وأرْدَفَتْ: هَل تَسْتطيعُ أنْ تَحْيَى بِدُوني؟ هل تَسْتَطِيع أن تَبْتَعِدَ عَنّي؟؟
لمْ أُجِبْها، فقالتْ:
مابِكَ، تُمْعِنُ النَّظَر فِيَ هَكذا، أراكَ شارِدا، وكَلِماتُكَ قد تَلَعْتَمَتْ!
قُلتُ: لا تَسْتَغْرِبي!
إن الذي تَراهُ عُيُوني، عُيُونُكِ له قدْ أغْفَلتْ!
قالتْ: حَدِّثْني، فَحَدِيثُكَ ذُو شُجُون! وها جَوارِحي كُلُّها لكَ قَدْ أنْصَتَتْ.
قلْتُ:
يا مالِكَ مُهْجْتي تَرَفَّقْ!
أنتِ يا مَوْلاتِي في حَياتي، سَيِّدَةٌ لا كَالسَّيِّدات، لو قلتُ فيكِ كلُّ قَصائِد الغَزَل، ما أسْعَفَتْني أبْياتِي، ولو خُضْتُ لأجْلكِ كُلَّ بُحُور الشِّعْر، ما كَفتْني القَوافي، ولا انْتَهَتْ كلِماتي.
قالتْ: أنتَ مَجْنُون!
قلتُ: أنْتِ مِنْ إبْداعِ جُنُوني، ويَجِبُ أنْ يَكونَ في حَياتِنا شَيْءٌ منَ الجُنون، وإلَّا فَقَدَت الحَياة مَعْناها.
فكيْفَ أبْعدُ عَن عُيُونٍ حَوْرَاءَ صافِيَة كالخُلْجان! إِنْ رَمَتْ بِطَرفٍ ما أخْطَأَتْ، سِهامُها في صَدْري صَواعِق، وسُيوفُها في فُؤادي خَوارِق، ورَجَّاتُها في كِياني أقْوَى من فَوْرَةِ بُرْكان.
في مُقْلَتَيْها خَمَّارَةُ الحَيِّ، كلَّما أمْعَنْتُ النَّظَرَ فِيهما، عُدْتُ مَخْمُورا كالسَّكْران. عَوالِمُها مُبْتَلِعَة، أتِيهُ بيْن سَرادِيبِها وَأرْكَنُ صاغِرا، وما وَجَدْتُ لِفِراقِها بُدّا، أنا بين دُرُوبها لاجِئٌ بلا مَلْجَأ ولا عُنوان.
كُلَّما صَعَقَني طَرْفُها، أدْرَكْتُ بأنّي لازلتُ على قَيْدِ الحَياة، تَتَلاطَمُني أمْواجُها العاتِيَة، وتَتِيهُ بيْن لُجَّتِها مَراكِبي، وأحِسُّ وكأنِّي فِي مُنْحَدَر سَحيق، يَجْرِفُني نَحْو المَتاهَة والحِرْمان.
فكيْفَ أبعدُ عنكِ!
وهَذه الجُفُون في لَطافَتِها، كأنَّها لِلصِّبا مَهْدا، أغْفُو في مَتاهاتِها إغْفاءَة سَرْمَدِيَّة، وأتَمَنّى أنْ لا أسْتَفيقَ مِنْها أبَدا.
ألا تَسْمَعين تنَهُّداتي!
وهذه الرُّمُوش المُبْتَهِجَة، أخالُها مَراوِحَ منْ حَرير، كُلّما رَفْرَفَتْ، خَفَقَتْ نَبَضاتُ قَلْبي، وعَمَّتْني السَّكينَة، وشَعَرْتُ بِهَبَّة أنْسامٍ مُنْعِشَة تُظَلِّلُني، وتَقِينِي منْ لَظَى حَرٍّ مُسْتَعِر يَنْخَرُ جَوانِحي، فَتَنْتَعِشُ رُوحي المُتْعَبَة.
ألا تَرْحَمينَ مُعاناني!
وهَذا الشَّعْر الحَريري، المُنْساب على الكَتِفَيْن كالشَّلال البِلَّوْري، مُتَدَفِّقا بين الفِجاج العَميقَة، يُسافِر بي عبْر الأشْواق، نَحْو بُحَيْرة المُتْعَة الأزلِيَة.
وهَذه الضَّفائِرُ الغَجَرية تَسْحَرُني، فأعْرُجُ على حِبال خِصْلاتِها إلى مَلَكُوتِ الهُيَام.
وهذه الخُدودُ الوَرْديةُ المُزْهِرَة، كحَدائِق مُعَلَّقَة على أبْراج الهَيْكَل في مَعابِد “بَعْلَبَك”، تَفَتَّحتْ فيها زَهْرة الرَّبيع، وفاحَ عِطرُها في الآفاق.
فكيْفَ يحْلُو العَيْشُ بِدونِك!
وهذه الشِّفاهُ المَعْسُولة، بِلَوْن غُرُوب ساحِرٍ في أُمْسِيَة صَيْفية، وبِنَكْهة عَسَل يَمَنِيٍّ صَاف، من خُلاصَة نَبات السِّدْر البَرِّيِّ، سَكرْتُ بِخَمْرة رِيقها، فَنَسيتُ تاريخ مِيلادي، وصِرْتُ مُشَرَّدا بين دُروبها، لاجِئً في شَتات، عنْدَ مُلامَسَتِها، أشْعُرُ وكَأنّي نَاجٍ من الهَلاك، يَرْتَشِفُ أول رَشْفَةِ ماءٍ زُلال، بعدما اجْتازَ صَحْراء الثُّلُث الخَالي.
عندما أظٌمَأ فأنتِ السَّاقي، أنتِ المَنْبَع والماء، وعِنْدما أتِيه، فأنتِ مَوْطِني، أنتِ بِساطي، أنتِ بَساتِيني الفَيْحاء.
فكيفَ أبْعد عَنْكِ!
…… (يتبع)

