خواطر….

سعيد حجي

هناك شيء أعمق في الحياة من أن تتركها تذوب في القلق، من أن تُسلمها لدوامة التفكير التي لا تتوقف، من أن تعيش وكأنك عالق بين زمنين لا تملكهما؛ ماض مضى بكل تفاصيله، ومستقبل لم يصل بعد. الإنسان أحيانا يُرهق نفسه بطريقة خفية، يحمل ما لا يُحمل، يعيد ما لا يعاد، ينتظر ما قد لا يأتي، فيتعب دون أن يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام…
حين تفكر كثيرا في الماضي، فإنك تعيد فتح ملفات قديمة، تسترجع لحظات انتهت، كلمات قيلت، فرص ضاعت، أخطاء حدثت، وكأن العقل يرفض أن يغلق الصفحة. هذا التكرار المستمر يسمى في علم النفس بالاجترار الذهني، حيث تدور الفكرة داخل الرأس مرارا، تكبر مع كل مرة، تستهلك طاقة الشعور، وتتركك في حالة من الحزن أو الندم دون أي نتيجة حقيقية. الذاكرة هنا لا تكون مجرد سجل، هي تتحول إلى عبء، إلى ثقل يبطئك، إلى شيء يسحبك إلى الوراء دون أن تشعر…
وفي الجهة الأخرى، حين تذهب بعيدا في التفكير في المستقبل، يبدأ العقل في رسم احتمالات كثيرة، بعضها مقلق، بعضها غامض، بعضها غير واقعي، فتدخل في حالة من القلق الاستباقي، تخاف من أشياء لم تحدث، وتتعب من سيناريوهات لم تقع. يتسارع التفكير، يتوتر الجسد، يضيق النفس، وتفقد قدرتك على التركيز في أبسط الأمور. المستقبل يصبح عبئا نفسيا بدل أن يكون أملا، لأنك حاولت أن تعيشه قبل وقته…
بين هذا وذاك، يضيع شيء مهم جدا، شيء بسيط في ظاهره، عميق في أثره، وهو الحاضر. هذه اللحظة التي تعيشها الآن، التي تمسك بها بيدك، التي يمكنك أن تفعل فيها شيئا، أن تغير فيها شيئا، أن تبدأ منها. الحاضر هو المساحة الوحيدة التي تملك فيها القدرة على الفعل، على القرار، على التغيير…
الإنسان حين يتعلم أن يعود إلى هذه اللحظة، يحدث داخله نوع من الهدوء، كأن الضجيج يخف، كأن الأفكار تتنظم، كأن النفس يستعيد إيقاعه الطبيعي. هذه الحالة يسميها علماء النفس بالانتباه للحظة الراهنة، حيث يكون العقل حاضرا فيما يفعله، دون أن يتشتت بين ما كان وما سيكون. ومع الوقت، يصبح هذا الحضور عادة، طريقة في العيش، أسلوبا يخفف الضغط ويزيد التركيز…
في منتصف هذا الطريق، تتسلل فكرة عميقة كما لو أنها تخرج من تجربة إنسان فهم الحياة من داخل المعاناة، يمر صدى فيكتور فرانكل بهدوء وهو يشير إلى أن الإنسان يملك دائما مساحة صغيرة من الحرية، مساحة يختار فيها كيف يتعامل مع ما يعيشه. هذه المساحة تكبر حين يكون الإنسان حاضرا، واعيا، منتبها، لا غارقا في دوامة التفكير التي تستهلكه….
ولأن الإنسان يميل إلى القلق بطبعه، جاء التوجيه الإلهي بسيطا وواضحا، يخفف هذا الحمل، يوجه النظر إلى ما هو متاح، إلى ما هو بين يديك الآن، في قوله تعالى: “لَا يُكلف الله نَفْسا إِلَّا وُسْعَهَا”، إشارة هادئة إلى أن ما يُطلب منك هو ما تستطيع فعله في هذه اللحظة، لا ما مضى ولا ما سيأتي. في هذه الكلمات راحة عميقة، تخفيف غير مباشر، دعوة إلى أن تترك ما لا تملك، وتركز على ما تستطيع…
لماذا تُرهق نفسك بما لا يمكنك تغييره الآن؟ لماذا تعيش ألما قديما مرة أخرى؟ لماذا تستبق تعبا لم يحدث بعد؟ الحياة لا تحتاج هذا القدر من الضغط، تحتاج فقط أن تكون حاضرا، أن ترى ما أمامك، أن تفعل ما تستطيع، أن تمضي خطوة صغيرة، ثم أخرى، ثم أخرى…
عِش هذه اللحظة كما هي، بتفاصيلها البسيطة، بنَفَسها الهادئ، بحركتها اليومية. استمع جيدا، ركز فيما تفعل، خذ وقتك في الفهم، لا تسرع في القلق، ولا تسرع في الحكم. مع الوقت، ستلاحظ أن الأمور تصبح أوضح، أن ذهنك أخف، أن طاقتك أفضل، أن قراراتك أكثر توازنا…
الحياة لا تعاش دفعة واحدة، تعاش لحظة بلحظة، فكرة بفكرة، خطوة بخطوة. الماضي سيبقى حيث انتهى، المستقبل سيأتي في وقته، والحاضر يظل الفرصة الوحيدة التي تملكها فعلا. هنا تبدأ، وهنا تستطيع أن تبني شيئا حقيقيا ،شيئا بسيطا، لكنه مع التراكم يصبح طريقا كاملا…




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.