إدريس أمغار مسناوي: حين يصير الزجل تفكيرا في الوجود

عبد العزيز برعود

تشكل تجربة إدريس أمغار مسناوي منعطفا نوعيا في مسار الزجل المغربي، إذ لم يعد هذا الفن مجرد امتداد لشفاهة شعبية أو تعبير وجداني بسيط، بل غدا مشروعا جماليا وفكريا يعيد مساءلة اللغة والإنسان والوجود. فمسناوي لا يكتب الزجل بقدر ما يعيد تعريفه.
من أبرز ما يميز هذه التجربة انشغالها العميق بما يمكن تسميته “شعرية البياض”. فالبياض في نصوصه ليس فراغا، بل أفق للمعنى، ومنبعٌ للحرف، ومجال لتوتر خلاق بين الصمت والكلام. إنه فضاء تتولد فيه الكتابة لا كفعل تقني، بل كاختبار وجودي، حيث يتحول السؤال إلى جوهر النص، ويغدو الجواب مؤجلا داخل احتمالات لا نهائية.
في هذا السياق، ترتقي الكتابة عند مسناوي إلى مستوى الفعل الأنطولوجي؛ فهي ليست وسيلة للتعبير، بل بحث دائم عن الكينونة. لذلك تتداخل مفردات الجسد، والروح، والضوء، والحلم، لتؤسس عالما شعريا يتجاوز الوصف نحو الكشف. في دواوين مثل “شهوة الضو” و“الجسد”، تتجلى هذه النزعة الصوفية التي تجعل من الكتابة رحلة داخل الذات، ومن اللغة أداة عبور نحو جوهر الإنسان.
كما تكشف تجربته عن وعي جمالي حاد بضرورة تجاوز النموذج الشفاهي التقليدي للزجل. فقد نقل القصيدة من فضاء الإنشاد إلى فضاء الصفحة، حيث يصبح البياض، والتشكيل، وتوزيع السطور عناصر دلالية قائمة بذاتها. هكذا يتحول النص إلى بنية بصرية وفكرية في آن، ويغدو القارئ شريكا في إنتاج المعنى لا متلقيا سلبيا له.
ولا تقف هذه المغامرة عند حدود الشعر، بل تمتد إلى السرد، كما في “تاعروروت”، حيث يوظف مسناوي اللغة العامية في بناء عالم عجائبي يزاوج بين الواقعي والأسطوري، مؤكدا أن العامية قادرة، حين تشحن برؤية فنية، على احتضان أكثر أشكال الكتابة حداثة وتعقيدا.
إن ما يميز تجربة إدريس أمغار مسناوي، في النهاية، هو هذا السعي الدؤوب إلى تحويل الزجل من مجرد فن تعبيري إلى أفق للتفكير، ومن لغة يومية إلى لغة كونية تنصت لأسئلة الإنسان الكبرى. إنها كتابة لا تكتفي بقول العالم، بل تحاول إعادة خلقه من بياض الصفحة.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.