جْوَيْليلي “البَرَّاح….

ذ محمد النخال

كان “جْوَيْليلي” كلما عَقَد العَزْم على الرّحيل، تَلْبِيَة لِنِداء واجِب الحُضُور، لعُرس أو حَفلَة خِتان، سَلَّم على زَوْجَته “الضَّاوْيَة” سَلامَ مُوَدِّع، وأوْصاها خيْرا بأبْنائه وربائِبه، فقد تَطول رحْلتُه أياما وليال، وقد تدُوم أحيانا الصّيْف كلّه، إنْ تتابَعَت الحَفلاتُ وتَرادفَت الأعْراسُ، ثم يَتَمَنْطَق جِرابَ مُسَجّلته مع لوازِمِها من أشْرِطة وبَطَّاريات، ويضَع جِلبابه على كتِفه، فقد حَلَّ مَوْسم جَنْي الغَنائم، وتلك فُرصَتُه لجَمْع ما يُمْكن جَمْعُه من أشْرطة غِنائية، ونُقُود يَحصُل عليها من عَمليّة “التَّبْرَاح”، فهو البارِع في تِعْداد مَناقبِ من يُساهِمُ ب”الْغَرامَة”، أثْناء مَراسيم الحِنَّاء، إذْ جَرَتِ العادَة في البَوادي والمُدن المَغربية، أن يُساهِم المَدْعُوُون بِقَدر من المال، لصاحبِ العُرس أو حَفلة الخِتان، كَدَعم للتَّخْفيف عنه من عِبْء المَصاريف، التي قد تكون أثْقلَتْ كاهِلَه. فإن كان عُرْسا، وبعد وجْبة العَشاء مُباشَرة، تُلَعْلِعُ طَلَقاتُ البارُود، إِيدَاناً بِخُرُوج العَريس، وبَدْء مَراسِيم الزَّفَّة، فيَعُمُّ الهُدوء الخَيْمَة، ويتَوَقَّفُ العَزْفُ والرَّقْصُ، وتلك فُرْصة الفِرقة لأخْد قِسْط من الرّاحة.
في مَوكِبٍ مَهيبٍ، يَبْرُز العَريسُ كالسُّلطان “شَهْرَيار في حِكايَة ألْفِ وليْلة”، يَمْتَطي صَهْوَة جَوادٍ أدْهَم، تَتَقَدَّمُه صَبِيّة في عُمْر الزُّهور، وكأنّها “شَهْرَزاد” وقدْ تَزَيَّنَت بِقْفطانها المَغربي الجَميل، تُمْسكُ بِالّلِجام، تُحِيط به النِّساء، بيَدِ إحْداهن قَصَبَةً طَويلة “لَعْلَامْ” زُيِّنَتْ ب”رُبْطة نَعْناع” و”مَجْدُول” حَرِيريّ أصْفر، و قليلٌ من الصُّوف، وبعضُ الأوْراق النَّقْدية من فِئة عِشْرين دِرهما، بينَما يَلبسُ هو سِلْهاما ناصِع البَياض، ويُغَطّي رأسَه “بِقُبِّ” جِلْبابِه “الْبْزِيوِي” دليلا على الحِشْمَة والوَقار، ويَنْتَعلُ بَلْغَة فاسِيَّة أنِيقَة، يَضَع في مِعْصَمِه سِوارا مِن النُّحاس يَمْنَحُهُ طاقَةً إيجابِيَّة، وأحْيانا دَمْليجا من الخَيْط، به صَدَفِيات ومَحار، لدَرْءِ العَيْنِ والحَسَد، يُرافِقه “الوَزِيرُ” بنَفس الِّلباس، وغالبا ما يَكون من أقْرب أصْدقائه، أو أحَد أعَزِّ أقارِبه.
وبعدَ أن يَقْتَرب من الخيمة، يَخرج أقاربه وأصْدقاؤه لاسْتقباله وَزَفِّه بأهازِبج “أحَيْدُوس”، حيثُ يَخْتَلِط الجَميع رجالا ونِساء، ويُكَوِّنُون حَلَقَة حَوْله مُرَدِّدِين: “الصّلاَة والسّْلام على رسول الله، الجَاهْ إلى جَاهْ سيدنا محمد، الله مع الجَاه العالي”، فيَعْلُو صَوت “البَنادِر والتّعارِيج”، وتَصْدَح الحَناجر، وتَرْكز الأقْدام، وتَمْتَزج رائِحة العَرَق، ويَتَصاعد الغُبار، في مَشْهد يُوحي بِحَرْكَة لخُيول جامِحة، في مَوسِم “التّبَوْرِيدَة لمَوْلاي عبد الله أمْغار”. وبعد أن يَنال منهم التّعَب، وتَعُمّ الجميع السّكينة، لأنهم أفْرَغوا ما في جُعْبَتهم في نَكَد عَبْر الرَّقص والغِناء، يَنْزلُ مَوْلاي السّلطان من على صَهْوة الجَواد، ويتَقَدَّم الجَميع إلى داخل الخَيْمة، حيثُ يأخُدُ له مكانا في الوسَط، ويَجْلس على سَجَّادة أو زَرْبية صَغيرة من صُنْع مَحَلّي، ويُوضَع أمامه طَبَق به بَيْض، وأكْياسٌ صَغيرة بها حَلَوَيات وعَلَك، وإناءٌ به حِنّاء مَمْزُوجَة بالماء ومُعَطَّرة بِماء الوَرْد، وتَتَوَلَّى سَيّدة عَجوز- غالبا ما تكون جدته أو خالته- أمْرَ تَخْضِيب كَفّه بالحِنّاء، حيثُ تَقوم بِحركات دَوَرانية بأصْبُعها، حتى تُنْشئ في كَفّه شَكْلا دائريا على هَيْأة قُرْص، مع تَرْدِيد مَواوِيلَ مُسْتَوْحاة من الثُّرات القَديم تَلِيق بالمُناسبة، وبِصَوت شَجِيّ تَعْتَريه غُنَّة ومُسْحَة حَزينة. في حين يَتَجَمْهر حَوله المَدْعوون، والأقارب والأصْهار والجِيران والأصْدقاء، الذين يبْدأون في تَحَسُّس جُيُوبهم، لاسْتخراج النُّقود التّي سَيُساهِمون بها، كعُرْبون على الدَّعم والسَّنَد، بينما تبدأ النّساء في تَرْديد الأهازِيج الخاصَّة بهذه المُناسبة، يَسْتعملن فيها التًّعارج والبَنادير وأحْيانا يَلْجأن إلى أطْباق حَديدية “طْباسَل” حتّى يَحْمَى وَطيسُ الحَلقة، وتتَخَلل هذه الأهازيج، زغاريدُ ومَواويل، ويَبقى من أبْرز ما يُرَدَّد في مِثل هذه المُناسبات:
“هَزْ عَيْنَكْ تْشُوف الزِّينْ أيا مَوْلاي السُّلْطان”، ”
“أدَّاها وأدَّاها والله ما خَلَّاها”
“أدَّاها وأدّاتُو والله ما خَلَّاتُو”
“أهْيا لَعْريسْ ضَوِّي بالشَّمَع البَلْدي وإلىَ جَاتْ لَعْرُوسْ ضَوِّي بالتّْرِيسِينْتي”،
في هذه اللحْظة المُفْعَمة بالحَماس، يَخْرج “جْوَيليلي” فَجأة من بين الجُموع، ويَظهر ك”المايْسْتْرُو” الذي سَيقود الجَوْقَة لعَزْف سَمْفُونية الفَرح، مُنْتَشيا يلعبُ دَوْر “البَرَّاح” أو المُسْتَشْهِر الذي سَيُشْهِر أسْماء المُساهِمين بالتَّبَرُّعات، ومع كل مُساهمة، يكونُ له فيها نَصِيب وقَدْر مالي، يُسَمى “التَّمْبَرْ”، ويبْدأ عَملية “التَّبْراح” رافِعا صَوْته مُناديا:
“فِينْكُم يا حْباباتُو”
“فينْكُم يا حْبابُو وصْحابُو وصْحاباتُو”
فَتَعْلو زَغاريد النّساء، ويَبدأن في ضَرْب الدُّفوف و”التَّعاريج”، ثم يعْلُو بِصَوته، ويَصْدَح لإشْهار اسم المُساهِم، كلٌّ حَسَب مَقْدوره، وهذه حِرْفَة لا يُتْقِنها إلا أهلُ الإخْتِصاص، مِمَن يَتَّصِفون بصَوت جَهُور، وقُدْرة هائلة على سَرْد مُفْرداتِ المَديح، ف”جْوَيْليلي” بارعٌ مُبْدع في ذِكْر المَناقِب، حتّى وإن لم تَكُن في صاحبها:
ومن أجْملِ ما يُرَدِّد عندما يَتَسَلَّمُ مَبْلَغا من صاحبه ويَكُون له نَصيبٌ هائل من “التَّمْبَر”:
“ياااااااااامَنْ عَنْدُو هاااااا” !
“يا الّلي ماعَنْدُو عَيْنِينْ إدِيرْ عَشْرَة” !
اسْمَعْ يا مَوْلاي السُّلطان !
هاهِيَ عَشْرَلافْ من عَنْد وَلدْ عَمَّك الِّلي في الطَّالْيانْ !
جَا في الطَّيَّارة باشْ يَحْضَرْ لْعَرْسَكْ !
منْ عَنْدْ الِّلي إلَى غَابَو يَتْسَناوْ، والَى حَضْرُوا يَتْدَناوْ !
مَنْ عَنْدْ عْدُو شْكارْتُو !
من عَنْدْ صاحَبْ السّْرُوتْ (الخيل) !
من عَنْدْ طَرْدَاكْ العَلْفاتْ (البارُود) !
من عَنْد صاحبْ العَزْبات !
من عَنْدْ حَشَّاشْ الوَرْكَة (النعناع) بَنْدَاها !
من عَنْدَ صاحَبْ النَّجْمَة ولفْجَرْ !
هاهيَ عَشْرَلافْ، من عَندْ زِينْ لَغْرامَة على وَلْدْ عَمُّو مَنْ هْنا حَتّى لْطالْيانْ !
ما انْكُونُو مْعاكْ إنْ شاء الله…
اسمَعْ يا مَوْلاي السُّلطان !
اللي كَالْ دْجاجْ النَّاسْ، إسَمَّنْ دْجاجُو !
الله يَخْلَفْ، الله اِعَمَّرْ….. (يتبع)




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.