بقلم ذ بنسعيد بختاوي
أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة مفارقة سياسية لافتة تستحق التأمل. فقد عرفت الأحزاب الثلاثة المكوِّنة للكتلة تاريخياً—الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية—تراجعاً في عدد مقاعدها مقارنة بانتخابات 2021.
فقد انتقل حزب الاستقلال من 81 إلى 65 مقعداً، متراجعاً بـ16 مقعداً، فيما انتقل الاتحاد الاشتراكي من 34 إلى 26 مقعداً، وخسر التقدم والاشتراكية ثلاثة مقاعد، منتقلاً من 22 إلى 19 مقعداً. وهكذا انتقلت حصيلة الأحزاب الثلاثة مجتمعة من 137 إلى 110 مقاعد، أي بفقدان 27 مقعداً، بما يعادل تراجعاً يقارب 20 في المائة.
غير أن المفارقة لا تكمن في الأرقام الانتخابية وحدها، وإنما في المسار السياسي الذي أعقبها. فالمعطيات المتداولة بشأن مشاورات تشكيل الحكومة تشير إلى أن الأحزاب الثلاثة توجد في صلب الصيغة الحكومية التي يجري التفاوض حولها مع حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً. بل إن بعض المصادر تحدثت عن صيغة تضم «البام» والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، مع احتمال دخول أحزاب أخرى.
وهنا تبرز إحدى المفارقات الدائمة في العمل السياسي: الانتخابات تقيس القوة الانتخابية، لكنها لا تحدد وحدها موقع الحزب داخل الحكومة. فالحسابات السياسية تقوم أيضاً على التحالفات، والتوازنات، والبرامج، والقدرة على بناء أغلبية برلمانية.
ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة «السياسة لا منطق لها» قابلة لإعادة صياغتها بدقة أكبر: السياسة لها منطقها، لكنه ليس بالضرورة منطق الأرقام الانتخابية وحدها. فقد يتراجع حزب في صناديق الاقتراع، ثم يجد نفسه في موقع تفاوضي مؤثر؛ وقد يتصدر حزب الانتخابات، لكنه يحتاج إلى حلفاء لتشكيل أغلبية.
وهذه هي المفارقة التي تجعل السياسة مختلفة عن الحساب الرياضي: في الانتخابات قد يكون عدد المقاعد هو البداية، لكنه ليس دائماً نهاية المعادلة.

