لهذا أحب الأحد …..

سعيد حجي

#في صباحات الأحد لا شيء يدعوني إلى الإسراع. أستيقظ بلا منبه، وأظل قليلا ممدد في الفراش ، أصغي إلى ذلك الصمت الذي لا تمنحه بقية أيام الأسبوع. لا أمد يدي إلى الساعة، ولا أسألها كم بقي من الوقت، فقد تعبت طوال الأسبوع من مطاردتها. في الأحد أتركها تمشي وحدها، وأمشي معها على مهل، كأننا اتفقنا أخيرا على هدنة صغيرة…..
أذهب إلى المطبخ، أعد قهوتي على نار هادئة، وأراقبها وهي تغلي ببطء حتى تعطي مذاقها الذي أحب. هناك أشياء كثيرة في الحياة لا تمنحنا أجمل ما فيها حين نستعجلها، والقهوة واحدة منها. أضع الفنجان أمامي، أجلس قرب النافذة، وأترك البخار يصعد في هدوء، كأنه رسالة صغيرة من الصباح…
لأول مرة في الأسبوع أشعر أنني أملك أشيائي. أغسل الكأس الذي بقي منذ الليلة الماضية، أمسح الطاولة، وأرتب بعض الأشياء التي تركتها في غير أماكنها. أجد كتابا قرب النافذة، غطاه الغبار، فأمسح غلافه وأفتحه عند الصفحة التي توقفت فيها. أقرأ بضعة أسطر، وأبتسم. الكتب تشبه الأصدقاء الذين لا يعاتبوننا حين نغيب. نتركها طويلا، ثم نعود إليها فنجدها في المكان نفسه، تنتظرنا بصبر لا نملكه نحن.
أفتح نافذة غرفتي وأطل منها. الحديقة المقابلة هي الحديقة نفسها، والشجرة التي وضع اللقلق عشه فوقها ما زالت شامخة، والبيوت متراصة في أماكنها، والجبال البعيدة تحرس المدينة من جهاتها. كل شيء كما كان بالأمس، ومع ذلك يبدو لي العالم أكثر رحابة.
أفكر أن الأشياء لا تحتاج إلى أن تتغير كي نراها من جديد. أحيانا تتغير العين التي تنظر إليها. في صباحات العمل أنظر إلى الشارع بعين رجل يستعجل الوصول، وفي الأحد أنظر إليه بعين رجل لا ينتظر شيئا. لذلك تبدو الأشجار أكثر خضرة، والسماء أوسع، وحتى أصوات الباعة في الشارع تصلني بنبرة أقل حدة. العالم نفسه، والروح هي التي خففت صوتها…
تمر جارتي صاحبة العينين الزرقاوين، تحمل قطعتين من الخبز من البقال، وتمشي على مهل. أراها من النافذة وأفكر كم مرة مرت أمامي طوال الأسبوع دون أن أنتبه إليها. ربما كان العيب في عيني، لا في الشارع. نحن نمر كثيرا أمام الأشياء الجميلة حين تكون رؤوسنا ممتلئة بالمواعيد.
أتذكر قمصاني المعلقة في الخزانة، فأخرج بعضها وأصعد بها إلى السطح. أحب أن أغسلها بيدي أحيانا. في هذه الحركة البسيطة شيء من الطمأنينة؛ الماء، والصابون، ورائحة القماش النظيف، ثم نشر الملابس تحت الشمس. أقف هناك وأتطلع إلى الجبال البعيدة.
من فوق السطح تبدو المدينة مختلفة. البيوت أصغر، والشوارع أكثر هدوءا، والناس يتحركون كأنهم جزء من لوحة كبيرة. أرى المكان الذي أعيش فيه من ارتفاع قليل، فأفهم أن الإنسان يحتاج أحيانا إلى أن يبتعد خطوة واحدة عن حياته حتى يفهمها. قد لا نحتاج إلى مدينة جديدة، قد نحتاج إلى نافذة جديدة نرى منها المدينة نفسها.
أعود إلى غرفتي، وأمسح الغبار عن لوحة معلقة على الجدار. رأيتها مئات المرات، وربما لم أعد أراها أصلا. أقف أمامها طويلا، فأكتشف هذا الصباح شيئا لم أنتبه إليه من قبل. كم من الأشياء تعيش معنا حتى تصبح غير مرئية؟ كرسي، صورة، كتاب، نافذة، وجه، طريق. الاعتياد يضع ستارا خفيفا بيننا وبين الأشياء، ولا نكتشف الستار إلا حين نمسحه.
أتصل بوالدي.
صباح الأحد صار عندي موعدا صغيرا معهما. أسأل أبي عن أحواله، ثم أتحدث مع أمي. لا تحتاج المكالمة إلى سبب. يكفي أن أسمع صوتهما. في نهاية الحديث تأتي الدعوة التي أعرف أنها ستبقى معي طوال اليوم. هناك كلمات قليلة تستطيع أن تملأ بيتا كاملا بالطمأنينة، ودعاء الوالدين من تلك الكلمات التي لا تحتاج إلى شرح.
أضع الهاتف جانبا، وأعود إلى مطبخي.
أطبخ بهدوء، آكل بهدوء، أشغل الموسيقى التي أحبها، أغسل الأرضية وأمسح النوافذ. أفتح الستائر كلها، وأدع الضوء يدخل إلى الغرف. أشعر وأنا أرتب البيت أنني أرتب شيئا في داخلي أيضا. بعض الفوضى التي نراها حولنا تكون صورة لفوضى صغيرة تسكننا، وبعض الهدوء الذي نصنعه في البيت يصل بطريقة ما إلى أرواحنا.
يأتي الظهر دون أن أشعر.
أضع شيئا بسيطا على المائدة، أجلس وحدي، وأتناول طعامي من دون هاتف. في مثل هذه اللحظات أفهم أن الوحدة ليست دائما شيئا ينبغي الهرب منه. هناك وحدة تعلمك كيف تكون رفيقا لنفسك. تعلمك أن تطبخ لنفسك، وأن ترتب غرفتك، وأن تقرأ دون أن ينتظر أحد منك ملخصا، وأن تشرب قهوتك دون أن تبحث عمن يشاركك الفنجان.
أنا شاب أعزب يعيش بعيدا عن والديه، وهذا يجعل بعض الأيام أكثر هدوءا مما ينبغي، وبعضها أكثر صمتا مما أحتمل. لكنني تعلمت أن للبيت الذي يسكنه شخص واحد حياة أيضا. له موسيقاه، ورائحته، وكتبه، وفناجينه، وملابسه المعلقة، ونوافذه التي تعرف متى يفتحها صاحبها ومتى يغلقها.
وفي نهاية الأحد أكتشف أنني لم أفعل شيئا عظيما.
غسلت قميصا.
قرأت صفحات.
نظفت نافذة.
شربت قهوة.
نظرت إلى الجبال.
واتصلت بوالدي.
ومع ذلك أشعر أن اليوم كان ممتلئا.
ربما لأن الحياة الحقيقية تختبئ في هذه التفاصيل التي لا نكتب عنها في السير الذاتية. الإنسان لا يعيش فقط في أيام الانتصارات والمناسبات، يعيش في صباح عادي، وفي فنجان قهوة، وفي كتاب على حافة النافذة، وفي صوت أم تقول له: انتبه إلى نفسك.
نحن نبحث كثيرا عن السعادة في الأشياء الكبيرة، ثم نكتشف بعد سنوات أن أجمل ما بقي في الذاكرة كان صغيرا جدا. رائحة بيت قديم، يد أم، صوت أب، شجرة أمام نافذة، كتاب قرأناه في وقت بعيد، شارع كنا نمشي فيه دون أن نعرف أنه سيصبح ذكرى.
لهذا أحب الأحد.
لأنه يعيد إلي شيئا من قدرتي على الانتباه.
يجعلني أرى ما أمر به طوال الأسبوع ولا أراه. يجعلني أسمع البيت، وأسمع نفسي، وأترك للأشياء الصغيرة فرصة أن تقول ما عندها.
وحين يأتي المساء، أعيد القمصان إلى الخزانة، وأضع الكتاب في مكانه، وأغسل فنجان القهوة، ثم أقف للحظة أمام النافذة.
الحديقة ما زالت هناك.
الشجرة ما زالت هناك.
اللقلق في عشه.
والجبال في مكانها.
والمدينة تستعد لليل.
أبتسم وأفكر: كل هذا كان موجودا طوال الأسبوع، لكنني كنت مشغولا عن رؤيته.
غدا سيعود المنبه، وستعود الساعة إلى معصمي، وسأعود إلى سرعة الأيام. لكنني سأحاول أن أحمل معي شيئا من هذا الأحد؛ شيئا من بطء القهوة، ومن رائحة الكتاب، ومن دعاء والدي، ومن ضوء النافذة.
فالحياة لا تحتاج دائما إلى أن تتسع حتى تصبح أجمل.
أحيانا يكفي أن نتوقف قليلا.
أن ننظر جيدا.
أن نترك الأشياء المألوفة تستعيد دهشتها.
وأن نفهم، ولو في صباح واحد من كل أسبوع، أن الوقت الذي نعيشه بهدوء لا يضيع.
إنه الوقت الوحيد الذي نشعر أنه كان لنا.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.