حين تتحول السياسة من مشروع مجتمعي إلى حسابات مبهمة

ابن سعيد بختاوي

لم تعد أزمة العمل الحزبي تكمن في موسمية الخطابات الرنانة ولا في ضعف الخطاب السياسي نفسه. لكن الأزمة الحقيقية اليوم تكمن في تلك الهوة التي تزداد اتساعا بين ما يُقال للمواطن وبين الواقع المعاش. فالمشكلة ليست في وفرة الكلمات، وإنما في ضعف الممارسة التي تمنح تلك الكلمات معناها.
فالخطب تُلقى، والشعارات تُرفع، والبرامج تُنشر، والوعود تتكرر مع كل محطة انتخابية والسيناريوهات تتبلور في قالب جديد.
لقد وُجدت الأحزاب السياسية لتكون مدارس لتكوين المواطن، وفضاءات لإنتاج الأفكار، وجسوراً بين المجتمع والدولة، وحاضنات للكفاءات القادرة على قيادة التنمية. غير أن هذا الدور، في كثير من الأحيان، تراجع أمام منطق آخر، تحكمه التوازنات، والحسابات الانتخابية، وشبكات المصالح، أكثر مما تحكمه الكفاءة والاستحقاق.
إن التنمية لا تُصنع بالخطابات وحدها، وإنما تُصنع بالعقول التي تمتلك الرؤية، وبالأطر التي تجمع بين المعرفة والنزاهة وروح المسؤولية. لذلك فإن أي حزب لا يجعل الكفاءة معياراً أساسياً في الاختيار، يكون قد حرم نفسه من أهم رأسمال بشري وهو الإنسان المؤهل.
ولعل المؤسف في هذا الشأن هو أن كثيراً من الكفاءات ابتعدت وتبتعد عن العمل الحزبي بسبب عدم إيجاد بيئة تحتكم إلى معايير واضحة للإنصاف وتكافؤ الفرص. وحين يشعر صاحب الكفاءة أن جهده وعلمه وتجربته لا يشكل طريقاً نحو تحمل المسؤولية، فإن النتيجة الطبيعية هي الانظمام إلى نافذة المتفرجين، وبالتالي خسارة المجتمع لطاقات كان من الممكن أن تساهم في بناء مستقبل أفضل.
المشهد السياسي يتأثر أيضاً بالثقافة المجتمعية، وبسلوك الناخب، وبطبيعة المنافسة الانتخابية و… ومع ذلك، تبقى الأحزاب مطالبة بأن تكون القدوة في ترسيخ قيم الديمقراطية الداخلية، والشفافية، وربط المسؤولية بالكفاءة، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل المؤسسات التي تطلب ثقة المواطنين.
إن تكرار السيناريوهات نفسها في كل استحقاق انتخابي أصبح قدراً محتوماً بسبب غياب مراجعات جدرية في طرق التفكير والتدبير. فالتغيير لا يتحقق بالإبداع في الشعارات الرنانة، وإنما بتغيير معايير الانتقاء، وإعطاء الأولوية للخبرة، والكفاءة، والقدرة على الإنجاز والإبداع، بدل الاكتفاء بمنطق الولاءات أو الحسابات الظرفية.
إن الوطن اليوم بحاجة إلى نخب تؤمن بأن السياسة رسالة قبل أن تكون موقعاً، وأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون امتيازاً، وأن التنمية لا تتحقق إلا عندما تتكامل الإرادة السياسية مع الكفاءة العلمية والأخلاقية. فالأمم لا تتقدم بكثرة الوعود، وإنما بحسن استثمار طاقاتها البشرية، وجعل الكفاءة أساساً لتولي المسؤولية.
ولعل الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة ليس فقط استعادة ثقة المواطن في الأحزاب، بل استعادة ثقة الكفاءات في العمل السياسي نفسه. فعندما يشعر أصحاب الخبرة بأن أبواب المشاركة مفتوحة أمامهم على أساس الاستحقاق، ستتحول الأحزاب إلى فضاءات للإبداع والإصلاح، وستستعيد السياسة رسالتها النبيلة باعتبارها أداة لخدمة الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة.
إن مستقبل أي وطن لا يصنعه الضجيج السياسي، ولا الشعارات البراقة، وإنما تصنعه مؤسسات قوية، وأحزاب تؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه من علم وعمل ونزاهة. وعندها فقط يصبح الخطاب السياسي انعكاساً لواقع ملموس، لا وعداً يتكرر في كل موسم انتخابي ثم يذوب مع انتهاء الاستحقاقات.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.