نحو إعادة وظيفة الإعلام الوطني…

سعيد حجي

حين نتأمل المشهد الإعلامي اليوم، لا يكفي أن نصفه بالضعف أو التراجع؛ نحن أمام انحدار بنيوي يكشف أزمة عميقة في وظيفة الإعلام ذاتها. في عالم تعاد فيه صياغة موازين القوة عبر المعلومة، والتحليل، وبناء السرديات، يشتغل إعلام دول عديدة—من الساحل إلى الخليج—بعقل استراتيجي: يقرأ التحولات، يفكك خرائط الصراع، يتتبع ديناميات الجماعات المسلحة، ويربط المحلي بالإقليمي والدولي ضمن رؤية تحليلية متماسكة. هناك، لم يعد الإعلام مجرد ناقل خبر، انما كفاعل مؤثر يشتغل على تشكيل الوعي وصناعة المعنى…
في المقابل، يبدو اعلامنا وكأنه اختار طوعا أن يتموقع خارج الزمن. ليس فقط متأخرا، إنما اصبح منفصلا عن رهانات المرحلة. بدل أن يكون أداة استشعار مبكر للمخاطر والتحولات، تحول إلى جهاز لإنتاج الضجيج. العناوين التي ترفع شعار “عاجل” فقدت معناها، وأصبحت تختزل في وقائع تافهة، لا تملك أي قيمة إخبارية أو تحليلية. هذا ليس مجرد خلل مهني، انه تعبير عن انحراف في ترتيب الأولويات، حيث يُستبدل التفكير في الأمن الاستراتيجي والانخراط في النقاشات الجيوسياسية الجادة بمحتوى استهلاكي يراهن على الإثارة السطحية…
الأخطر من ذلك أن هذا النمط لا يكتفي بتغييب القضايا المصيرية، إنما كذلك يساهم في إعادة تشكيل وعي جمعي مفرغ من الحس النقدي. فحين يُدفع الجمهور باستمرار نحو متابعة التفاهة، يتم تدريجيا تجريده من القدرة على مساءلة الواقع وفهم تعقيداته. وهنا يتحول الإعلام من سلطة رقابية مفترضة إلى أداة تخدير ناعم، تنتج مواطنا متلقيا لا فاعلا، وتُفرغ المجال العام من أي نقاش جاد…
إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة القبول بدور المتفرج في زمن الفاعلين. لذلك، فالمطلوب ليس مجرد تحسين في الشكل أو تجويد في الإخراج، انما قطيعة حقيقية مع نموذج إعلامي استهلك نفسه. نحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة الإعلام: من منصة للفرجة إلى مؤسسة معرفة، من وسيط للترفيه إلى فاعل في بناء الوعي. وهذا يمر عبر الاستثمار في الصحافة التحليلية، وتكوين الصحفيين في مجالات الجيوسياسة والاقتصاد، وتعزيز الاستقلالية التحريرية، وربط المسؤولية بالمحاسبة…
في النهاية، المسألة ليست تقنية هي أخلاقية ومعرفية. إعلام بلا رؤية هو مجرد ضجيج منظم، وإعلام بلا جرأة هو صدى باهت لسلطات متعددة. والتاريخ لا يحتفظ بأصوات الضجيج، انما يسجل فقط من امتلكوا القدرة على الفهم والتأثير. أما من اختاروا الغرق في هامش التفاهة، فقد حسموا موقعهم مسبقا خارج معادلة المستقبل.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.