القراءة تعيد تشكيلك ببطء. …

ذ سعيد حجي

أكبر كذبة نرددها يوميا “ليس لدي وقت للقراءة”، جملة قصيرة، لكنها مشحونة بطبقات من التبرير الذاتي، آلية دفاعية ناعمة يتقنها العقل حين يرغب في الهروب دون أن يشعر بوخز الذنب. الوقت لا يختفي، لا يتبخر في الهواء، انما يعاد توزيعه بصمت داخل اقتصاد داخلي تحكمه اللذة الفورية، تحكمه برمجة دقيقة تجعل الهاتف أكثر إلحاحا من كتاب، وتجعل المقعد في المقهى أكثر جاذبية من صفحة صامتة تنتظر أن تُفهم…
العقل هنا لا يكذب عليك صراحة، إنما يعيد تأطير الواقع، يمارس نوعا من “إعادة التشكيل الإدراكي” التي تمنحك إحساسا زائفا بالعجز، فتشعر أنك ضحية ضغط زمني، بينما أنت في الحقيقة ضحية تفضيلات غير واعية. المسألة ليست نقصا في الزمن، انما فائض في التشتت؛ تشتت يتغذى من دوائر المكافأة العصبية، من تلك الاندفاعات الصغيرة للدوبامين التي يمنحها لك التمرير اللانهائي، الضحكات السريعة، المقاطع القصيرة التي تسرق انتباهك دون أن تترك أثرا معرفيا حقيقيا…
في عمق هذه الحالة تكمن بنية نفسية دقيقة، ما يسميه علم النفس “بالتحاشي المعرفي”، حيث يبتعد الفرد عن كل نشاط يتطلب جهدا تأمليا عميقا، لأن هذا الجهد يهدد استقراره الوهمي. القراءة ليست فعلا بسيطا، إنها عملية تفكيك وإعادة تركيب، إنها مواجهة صامتة مع الذات، مع الأفكار التي قد تزعجك، مع الأسئلة التي لا تقدم إجابات جاهزة. لذلك يختار العقل الطريق الأسهل، يختار الضجيج بدل الصمت، يختار التكرار بدل الاكتشاف…
وحين تقول إنك لا تملك ساعة للقراءة، فالعقل في تلك اللحظة يمارس نوعا من “التبرير السلوكي”، يخلق سردية تحمي صورتك أمام نفسك، أنت لست مهملا، أنت فقط مشغول. هذه الحيلة النفسية تحافظ على توازنك الداخلي، تمنع التنافر المعرفي الذي قد يحدث لو اعترفت بأنك تهرب. الهروب هنا ليس ضعفا أخلاقيا بقدر ما هو ميل إنساني نحو الاقتصاد في الجهد، نحو تقليل الاحتكاك مع ما يتطلب تركيزا عاليا…
في المقابل، القراءة تنتمي إلى فضاء مختلف تماما؛ فضاء يتطلب “الانتباه المستمر”، ذلك المورد النادر في زمن التفكك الإدراكي. الكتاب لا ينافس الهاتف على نفس الأرضية، لأنه لا يقدم مكافآت فورية، لا يلمع، لا يصدر أصواتا، لا يستجديك أن تفتحه. إنه كائن صامت، يقف عند حافة وعيك، ينتظر أن تقترب بإرادتك الحرة، وهذه الإرادة هي بالضبط ما تم تآكله عبر سنوات من الاستهلاك السريع…
وهنا يظهر الشرخ النفسي الذي تدفع به الفكرة، شرخ بين ما تعرف أنه ضروري، وما تمارسه فعلا. هذا الشرخ يتسع كلما أجلت المواجهة، وكلما أقنعت نفسك أن الوقت سيأتي لاحقا، أن الظروف ستتحسن، أن المزاج سيتعدل. الزمن لا يعمل بهذه الطريقة، الزمن يمر، والعادات تتصلب، والقدرة على التركيز تتآكل تدريجيا حتى تصبح القراءة نفسها عملا شاقا، وكأنك تحاول إحياء عضلة لم تستخدمها منذ سنوات…
قال الشاعر :”من أراد العلا دون كد ، سيدركها إذا شاب الغراب”، والغراب لا يشيب، لأن المعادلة في جوهرها مغلقة على نفسها، الفهم لا يأتي دون قراءة، والقراءة لا تحدث دون قرار، والقرار يتطلب وعيا يخرجك من منطقة الراحة التي صنعتها لنفسك بعناية. من يعتقد أنه سيفهم العالم من خلال العناوين السريعة، من خلال المقاطع المجتزأة، يعيش في وهم “المعرفة السطحية”، تلك المعرفة التي تمنحك إحساسا زائفا بالفهم، بينما أنت في الحقيقة تستهلك شظايا متناثرة لا تشكل صورة متماسكة.
القراءة تعيد تشكيلك ببطء، تعيد ترتيب جهازك المفاهيمي، تمنحك القدرة على الربط، على التحليل، على رؤية ما وراء الظواهر. إنها ليست ترفا، انها ضرورة معرفية، شرط أساسي لأي وعي نقدي حقيقي. كل كتاب تقرأه يضيف طبقة إلى إدراكك، يوسع أفقك، يجعلك أقل قابلية للتلاعب، أقل انجرافا خلف السرديات الجاهزة…
وفي مكان ما، بين سطور رواية، تمر تلك العبارة التي تبدو وكأنها خرجت من عمق التجربة الإنسانية، حين تتشكل الكلمات كما لو أنها تقول: “كم هو مضحك أن يهرب الإنسان من نفسه، ثم يشتكي من ضيق العالم”، وكأن روح غوغول تهمس بها في أذن القارئ، تذكره بأن الهروب ليس حلا، وأن المواجهة تبدأ من لحظة صمت مع كتاب.
المشكلة ليست في الوقت، انها في “بنية الاختيار”، في الطريقة التي توزع بها انتباهك، في الأولويات التي لا تعلنها صراحة لكنها تتحكم في يومك بالكامل. حين تعيد ترتيب هذه البنية، حين تمنح القراءة مكانها الطبيعي، ستكتشف أن الساعة التي كنت تبحث عنها كانت دائما موجودة، مختبئة بين دقائق مهدورة، بين لحظات ضائعة في فراغ لا يضيف شيئا…
الأمر في النهاية ليس معركة مع الزمن، انها معركة مع الذات؛ مع تلك المنطقة الرمادية التي تبتلعك بهدوء، مع ذلك الصوت الداخلي الذي يقنعك بالتأجيل، مع تلك الراحة التي تبدو آمنة لكنها في الحقيقة تبطئك. القراءة ليست فعلا بطوليا، إنها قرار صغير يتكرر، فعل يومي بسيط، لكنه مع الوقت يتحول إلى قوة، إلى وعي، إلى قدرة على أن ترى العالم كما هو، لا كما يُعرض عليك…




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.