الشاعر المغربي عبد العزيز برعود في ديوانه (إسراء الروح): عندما تجتمع متعة الكتابة والحكي الشيق ونوستالجيا الزمن الجميل
مجدالدين سعودي
عبد العزيز برعود..هو حكاية، هو زمن جميل وانبعاث رائع وسيمفونية العشق وابتسامة لا تفارق محياه …أسطورة، جمع، بزوغ فجر، ميلاد عمر…شمعة تخترق، ضوء يخترق، فجر ينشرق، حب وتضحية، ميلاد أغنية وكرم أسطوري، إبداع فن وصمت وحزن وتأمل وشجن ….احترام والتزام…. -1-مزال طفلا مشاغبا كثير الحركة، أدمن الكتابة وعشق القلم، أذناه تلتقطان الجمل والعبارات بسرعة البرق. رهيف الأحاسيس على شاكلة البويهميين والفنانين، له في كل عرس قرص، يطرب في حيه وفي غير حيه… عندما يكون منتشيا وسعيدا يبحث عن مكان رومانسي حالم، الخضرة أمامه والطبيعة وراءه والأهازيج الشعبية الأصيلة تؤثث الفضاء الحالم… تنسكب الكلمات، تتماوج العبارات، يخرج القصائد الجميلة والكتابات الشاعرية والبورتريهات القوية… له امرأة ملهمة يشيد لها نصب من حب، هي فاتنة تلهمه القصيدة، هي المسقط والروح، هي (أعز ما يطلب) بل اعز ما يملك… هي وادزميس التاريخ والمقاومة والتضحية… (معشوقتي …مجنونة تلك المتيمة التيقدمت فيروز عينيهاقربانا لفينوسومن النبيذ دنانالباخوسوأيقنت أن السماء تمطرذهباوالفلك يدور عبثاواليم باطنه مرجان؟ ) الصفحة 25 و26 من ديوان (اسراء الروح)أفروديت …هي شبق الحياة، هي نبض، هي وفاء ورجاء ونقاء، هي امرأة لم تولد بعد: هي لوحة في طور التشكيل، هي البدر الكامل، مدينة أسطورية، الاعتراف بالجميل وعشق الجمال، معانقة الألم وكراهية الرتابة.-2-عصامي التفكير، قوي الإرادة، طفل كبير يحمله داخل قلبه، لا يتزحزح عن مبادئه وأفكاره، تكبر فيه الصداقة ويكبر فيها، يجعل من الوفاء نبراسه…تذكرته طفلا كبيرا ينشط أمسيات وصبيحات الأطفال بأناشيد تربوية ونكث هادفة وألعاب جميلة ويفرض نفسه فيما بعد عريسا في الدنيا الإبداع .كنا نسهر آنذاك الليالي الوادزمية غارقين في بحر القراءة والكتابة، قلبه أبيض ناصع كالثلج وجيبه مثقوب ذات اليمين وذات الشمال، يسكنه حاتم الطائي، لم ينسلخ أبدا عن ثوابته وصداقته …(تحمل مطرا من دموعتغسل مدن الحجرمن الرتابة والضجرتبكي بذور الأرضاغتصاب القمرفي صمت مدرار 65)3ذكرياتنا مشتركة وصداقة متينة، فيها الحلو والمر، فيها الألم والسعادة، فيها الفشل والنجاح، فيها تقلبات الدهر ومكر الأصحاب وغدر أو حسد بعضهم، فيها كل شيء… لازال حصنا منيعا ورفيق درب قلما يجود به الزمن… يفرح لفرحك ويحزن لحزنك…كبر الطفل الصغير وأصبح يحول لواعجه ومواقفه وأحاسيسه إلى كتابات قوية، فيها الصدق والبراءة، أزعجت الحساد وقطاع الطريق وبائعي الأوهام…اكتشفت في هذه الكتابات عذوبة عفوية وألحانا شذية تحتاج التشجيع والاعجاب.. تشجيع الطفل الجامع الذي تسكنه الموهبة:صقل موهبته، طور ذاته، غاص في بحور المعرفة: لقد خارج المارد من القمقم..نهض طائر الفينيق من رماده..انبعثت فيه شهوة الكتابة…تحولت الكتابات إلى إبداعات جميلة تؤرخ للزمن الجميل وهوس الكتابة: يا لروعة القصيدة وجمال العبارات، غدت الإبداعات نسقا فلسفيا ولحنا عذبا ومتونا جميلة وقصائد رائعة وعن شاعرنا عبد العزيز برعود يقول الدكتور الحبيب الدائم ربي في تقديمه لديوان (إسراء الروح): (يتحرك في المنطقة الآمنة والمربحة من خارطة الشعر، حيث للغة بعض طلاوة وللصور بعض رواء وللمعنى بعض افادة)…-4-تنهد الشاعر وقال :أريد قصيدة جديدة، كتابة إبداعية …أن أتفاعل، أن أتمايل …أن أسكر بعبير الكلمات وروائع المتون …أريد قصيدة تسكنني، روحا نورانية تتقمصني. مجدا حقيقيا يؤثث فضائي، عشقا يلهمني، مدينة الأمجاد والاستشهاد…هو الراوي، أنا الحكواتي، هو المجد والعز والسؤدد، هو الشموخ، هو السنابل المنحنية، هو اكتمال البدر والتقاء دجلة والفرات…أنشد الشاعر عبد العزيز برعود في ديوانه الجميل (إسراء الروح):(وأنت ترحلين قبل أن ينبلج صبحكالخريفيتسافرين في دمي الآنالآن وجهك ترسمه الحدودالبحر في عينك تمدد منهكايلفظ موجه المنكسرزبداعلى ضفاف جفنيكتم يستقيل..) ص 132-5-هذا العزيز …هذا الرعد والطموح والشموخ :إنه بانوراما وبساط سحر، إنه الجمال زمن القبح ، إنه الحب زمن النفاق والأقنعة البغيضة ، إنه البياض والصفاء والطهارة، وينشد شاعرنا البهي:(في زحمة ليل بهيمكان بلبل المساءيعرف سيمفونية الحياةعلى وتر رخيميطرد الحزن عن القمرويمسح وحبه السماءمن سقم الغيم الصفحة) ص 69-6-أنت يا عريس الشهداء ومقبرة الغزاة، أنت واد زميس: أقحوانة غالية، مرثية زمن النسيان، ذاكرة موشومة بعبق التاريخ، مدينة ليست كباقي المدن: مدينة العيوط وأغاني اعبيدات الرمى…ويرثي مدينته الشهيدة والنقية والبهية قائلا:(وادزميس.. مرثيتي على قارعة الزمن انتصب شامخ الرأسأستحضر تاريخ الصمود الشموخذاكرة الحضور في هذا الغيابالوجود في هذا العدمالاعتراف في هذا النكرانأتامل أطلال الكنيسة اليتيمةأبكي ليلاي بمرارة …..) الصفحة 146قلت:أيها العزيز: أنت العاشق الأكبر ،تحارب بالسيوف الردة والغدر ،تمزق بيارق الجور،تسبح بحمد العشق ،فالعشق يزلزل الدراويش والأركان،يغير الزمان،يسقط الشمس من الشمس،يضرب الأسماك بالأسماك ،يدخل المستقبل في المكان…7يكتب العزيز بالدمع ما لم يستطع الآخرون كتابته، يحكى للعالم الخارجي حكايات أبطال الأقواس والمآثر التاريخية والمهمشين والمنسيين في وادي زم الذين تجاهلتهم الدوائر الرسمية، وبالمقابل وشمتهم الذاكرة الشعبية بتدوين روائعهم وأحداثهم ومقاوماتهم، يكتب بالدم سمفونية الغضب الذي يجتاج الفنان الساكن أعماقه ، يكتب بالأشجان قصيدته الرائعة. يقول بأسى في قصيدته الرائعة (وادزميس):(رأيت من قتلوك يمشون في جنازتكمن أحبوك يرتدون عن عشقكوالغزاة الذين طردتهم عادوا مرة أخرىمن جلدتكرأيت بنادق المحاربين معروضة في مزاد علاني– عبثا اسمه المقاومة ورأيت راسك معروضا في أسواق النخاسةوالمساواةرأيتك تتحسسين خطاك كضريروالأرض من تحتك منهارة) الصفحة 148-8-هو موجود كالهواء، عاشق لسمر٩قند التاريخ والعشق :(سمر قند … في مدراج السحبأبصرتك ذات مساءتبكين وعيناك كلماتتائهة كالبهاءووجهك ممتلئ طهراوعفة حياءفكنت أغترف منه الألوانفرحوكان يمنحني جلال الحكمةوفيوضات السكينة الأبدية) الصفحة 100فتح الأبواب، تعانق الوعي واللاوعي، كبرت المرايا وصار مقر الخائفين والبويهميين، أعطى للنسيان إجازة، منح القصيدة شكل الثورة، منح الثورة شكل القصيدة، احتضن الجميع، حارب الأبالسة وقاطع التتر والمغول وبنى إمبراطورية الحكمة والشعر والفكر… خاتمةالطيور المهاجرة تعود إلى أعشاشها القديمة لتجدد البناء والعهد…والعزيز سيعود الينا هذه المرة ب (وراء الما بين) حاملا قصائده وبورتريهاته بزخم شعري وشاعري بطعم الإمتاع والاشعاع والابداع..

