أنطولوجيا العشق والوجود: تشكّل الذات المتعالية في اللغة والشعر

بقلم الناقد سعيد محتال

​تمثل القصيدة العربية الحديثة فضاءً وجودياً رحباً تتصارع فيه أسئلة الذات والهوية في مواجهة عالم يزداد تعقيداً وتعليباً.
في هذا السياق، تأتي قصيدة “سراب العاشق وظلال الغايات” للدكتور محمد ازلماط كنموذج مكثف يصوغ رؤية فلسفية متكاملة لعلاقة الذات المتعالية بالآخر، من خلال لغة شعرية تتحول إلى استعارة كبرى عن صراع الجوهر مع المظهر، والحب النقي مع النفعية المادية.
​تقف هذه القصيدة كصرح شعري فريد، لا يكتفي بطرح رؤية وجودية حول صراع الذات والآخر فحسب، بل يجسد هذه الرؤية ويبنيها عبر نسيج لغوي محكم. فلا يمكن فصل مضامينها الفكرية عن شكلها التعبيري الذي يحملها.
لذا، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية لسانية، تنطلق من فرضية مفادها أن اللغة هي الوعاء والموضوع معاً. فأنطولوجيا العشق التي يقدمها النص (كفلسفة وجود) تتجلى وتتحقق من خلال أنطولوجيا النص نفسه (كبنية لغوية). بمعنى آخر، النص لا يتحدث عن الذات المتعالية فحسب، بل يؤديها أداءً عبر بنيته اللغوية، مما يجعل اللغة هي الموضوع والوسيلة في آن واحد. يمكن إدراج النص ضمن ما بعد الحداثة في بعدها الصوفي، حيث يعيد تشكيل الرموز الدينية لمواجهة النزعة النفعية. اللغة هنا هي أداة المقاومة التي تبني بها الذات حصنها الأنطولوجي.
​إن أول تجليات هذه الرؤية اللغوية الأنطولوجية هو العنوان نفسه: “سراب العاشق وظلال الغايات”. فالقصيدة تبدأ بفعل لغوي يحمل دلالات عميقة، حيث إن العنوان مركب عطفي يخلق تقابلاً (ثنائية) أساسية. فـ “سراب العاشق” يوحي بشيء شفاف وجميل، بينما “ظلال الغايات” يوحي بشيء معتم ومشوه. هذه الثنائية تضع القارئ مباشرة في قلب صراع الوهم/الحقيقة، والجوهر/المظهر. يشير العنوان إلى أن موضوع القصيدة هو علاقة الحب (العاشق) التي تحولت إلى مجرد وسيلة (غايات) في نظر الآخر، مما يجعل القصيدة رحلة لاستعادة جوهر هذه العلاقة.
​ومن هذا التقابل في العنوان، تتجسد الذات المتعالية داخل النص عبر لغة الضمائر، حيث تتضح العلاقة بين الذات والآخر من خلال لسانيات الضمائر وتموضع الذات. يهيمن ضمير المتكلم “أنا” على النص بشكل ساحق، مما يجعله التجلي الأول للذات المتعالية التي تضع نفسها في مركز العالم اللغوي للنص. وفي المقابل، يتم موضعة الآخرين باستخدام ضمائر الغائب وأسماء عامة لنزع صفتهم الفردية، مع استخدام أسلوب الاستثناء (إلّا من…) لاستبعادهم ثم إعادة إدخال فئة واحدة بشروط صارمة. هذه الهيمنة ليست أنانية، بل هي استراتيجية خطابية لاستعادة الوكالة، حيث ترفض الذات أن تكون “مفعولاً به”، فتتخذ موقع الفاعل الذي يحدد هويته بنفسه.
​كما يتجسد الصراع بين الذات والآخر في بنية القصيدة اللغوية من خلال الحقول الدلالية المتنافسة. يُبنى النص على حقلين متصارعين: الأول هو حقل “النقاء، الجوهر، القداسة” الذي تحتكره الذات، والثاني هو حقل “التشويه، النفعية، الوهم” الذي تنسبه إلى الآخر. هذا الصراع اللغوي هو انعكاس للصراع المركزي في القصيدة، حيث تحتكر الذات الحقل الأول وتنسب الحقل الثاني للآخر، مما يخلق ثنائية فاصلة بين عالمي النقاء/التشويه، ويُجسّد “تعالي” الذات بجعلها تنتمي إلى عالم دلالي أرفع.
​ولتعزيز هذا “التعالي”، يستخدم النص أداة الشعر الأساسية: الانزياح اللساني وتفجير المألوف الأنطولوجي. فالانزياحات الصارخة مثل: “توضأ بالعشق” و”أنا صخرةُ الطوفان” ليست للزخرفة بل للتفجير الفكري. الانزياح الأول يرفع العشق إلى مرتبة الماء الطهور، بينما الانزياح الثاني يخلق صورة للثبات في قلب أعتى قوى التدمير والزعزعة. اللغة تنحرف هنا لتفجر المعاني المألوفة وتخلق معاني جديدة تليق بفلسفة النص.
​وفي السياق نفسه، تعمل البنية النحوية وأسلوب النفي والاستثناء على إرساء فلسفة النص. فالقصيدة تبدأ بجملة منفية قوية: “لم أُخلقْ فجا لأقدامِ الرائحين”، وهو نفي ليس للصفة بل للتصور الخاطئ، يؤكد استقلالية الذات. ويأتي هذا النفي دائماً مقترناً بأسلوب الاستثناء، مما يخلق بنية شرطية صارمة مثل: “لا يقرؤني أحد… إلّا من غسل قلبه وتوضأ بالعشق”. هذه البنية النحوية هي التجلي اللغوي المباشر لفكرة “الوصول المشروط”، حيث يخدم النحو نفسه فلسفة النص.
​وأخيراً، يؤكد نظام الأفعال على ثبات هوية الذات وعزيمتها. فعندما تتحدث الذات عن نفسها، تستخدم أفعال الكينونة (أنا سِفرٌ)، لتدل على ثبات جوهرها الراسخ. وعندما تتحدث عن فعلها، تستخدم أفعالاً تدل على الإرادة والاختيار: “أُواربُ وجهي”، مؤكدة أنها فاعلة مختارة وليست مفعولاً به. في المقابل، تُظهر أفعال الآخرين العدوانية أو التشويهية: “يحدّقُ”، و**”رَمَتني بسهامِ طبعها”**.
​في الختام، تكشف هذه الدراسة أن قصيدة “سراب العاشق وظلال الغايات” هي نسيج لغوي-فلسفي متماسك. لقد نجح النص في أن يجعل من لغته أنطولوجيته؛ فشروط الوصول إلى الذات (العشق، الطهارة) هي نفسها شروط قراءة النص وفهمه. “الذات المتعالية” لم تكن فكرة يُنادى بها، بل كانت أداءً لغوياً تحقق عبر هيمنة الضمير، وصدام الحقول الدلالية، وقواعد النفي والاستثناء، وجرأة الانزياح. اللغة هنا هي حجر الأساس في بناء عالم بديل، تكون فيه الذات سيدة وجودها، ويكون العشق هو القانون الوحيد للقاء والمعرفة.
سعيد محتال
المغرب

سراب العاشق وظلال الغايات
للدكتور محمد ازلماط

لم أُخلقْ فجا لأقدامِ الرائحين،
ولا كنتُ كهفا لكلِّ طارقٍ يستعيرُ ضوءَي.
أنا سِفرٌ مخبوءٌ بين نجومٍ عميقة،
لا يقرؤهُ إلّا من غسلَ قلبَهُ
بماءِ الغيب،
وتوضّأَ بالعشقِ قبل الدخول.
أُواربُ وجهي عن الجموع،
فالكلُّ يحدّقُ بعينٍ ليست عينَه،
بل عدسةَ طبعٍ،
أو مرآةَ منفعةٍ،
ولا أحدٌ أبصرَني كما أنا.
كلُّ عينٍ رمتني بسهامِ طبعها،
فرأيتُ نفسي مرايا مُشوَّشة،
إذْ لا أحدٌ أبصرَ وجهي،
بل أبصرَ ظلَّهُ فيّ،
فغابَ عني كما يغيبُ العطشانُ
عن سرِّ النبع.
أُسدِلُ ستائرَ العُزلةِ على نوافذِ قلبي،
فقد مللتُ عيونًا لا ترى إلّا ما انطوى في أوعيتِها،
تقرأ وجهي بأبجديّاتٍ من صلصالٍ،
وتُعيدُ إليّ ظلالها،
ثم تزعمُ أنّها رأتني.
أنا كتابٌ لم يُفتح إلّا بأصابعٍ من نور،
لكنّ القرّاء جاؤوا بأحبارٍ من طين،
فانكسرتْ أسطرُ المعنى،
وغاب الحرفُ في غياهبِ الأهواء.
أنا محرابُ نارٍ خفية،
لا يقيمُ صلاتَها إلّا عاشقٌ
يستضيءُ بحطامِه في سبيلي.
فلا تحسبوني ريحًا تسيرُ حيثُ شاءَ الهوى،
أنا صخرةُ الطوفان،
أنا غيمٌ يأبى أن يهبطَ إلّا على أرضٍ تعرفُ سجدةَ الشكر.
ظنّوني أرضًا تصلحُ لغرسِ الرغائب،
وما علموا أنّي صخرةٌ تعاندُ حدَّ المعاول،
أو غيمةٌ تُمطرُ حيثُ لا يُنتظر المطر،
وتجتازُ قفارَ الروحِ دون أن تُفشي سرَّها.
أيها السائلون عنّي بألسنةِ تلعقُ فتاتَ الأطماع،
وبأفواهٍ تستعيرُ لغتَها من خزفِ المنافع
لن تجدوا لي أثرًا،
فأنا منفىً يتخفّى في ذاته،
وسرابٌ يُجيدُ تمثيلَ النبع،
ولا يُسقي إلّا من ذابَ في عطشٍ أبدي.
ما حاجتي بكم وأنتم لا تقرأون إلّا وجوهَكم؟
كلكم مرآةٌ منكسرة،
تُلقي شظاياها في عينيّ،
فأبصرُ نفسي غريبًا عن نفسي،
وأزدادُ يقينًا أنّ الحبَّ أفقٌ
لا يُدركُهُ مَن حبسَ نَفَسَهُ
في قبو الغاياتِ الملتوية.
ومن رامني سلما لأهوائه،
وقصدني محطة لرغباته
فلْيَعلمْ:
أنا سرٌّ،
ومن لم يذُبْ فيه عشقًا،
فلن يُدركهُ أبدًا.
أنا سؤالٌ هائمٌ في فراغٍ سرمدي،
أعرفُ أن لا جواب،
لكنّي أزهرُ بالشكِّ،
وأصحو في صمتٍ
تغمرهُ كآبةُ الكواكب.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.