★محمد صمري أبوريحانة ★
(انسراب الأمكنة وشيخوختها في مدينتي بلغ حدود اللاشكل واللامعنى لتضيق الرئة في صدورنا من هول المشهد .)
يقول غاستون باشلار:(إن المكان أكبر من كونه حيزا،
إنه كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى.)
**””””””*”””””*”””””‘”*”””””‘”‘*””””””‘*””””'”*””””*”””””*”””’*””””””*”””””‘*””‘
(حتى لو مشطنا النجود والجبال وأزعجنا بخبرنا الإنس والجان، ورفعنا بأوداجنا اللطيف بالصوت الشفيف ، وسددنا مناخرنا بالسبابة والإبهام، وغسلنا شواهد مراقد
الشهداء بالدمع الفياض، ومهما أدمنا وجع الحروف واتسع حجم اللغط ، وتوسلنا لكل عابر طريق في الليل والنهار، ومهما اقتدنا قطيع الحروف وشردنها في حقول وبيادر الكلام ،فلن نسمع خرير العيون والمنابع التي كبكبوها في خناذق الظلام،.هؤلاء الباشقون، والحلفاء المارقون الذي تجمد العفن والخمج بين انيابهم العضل، هم كلاب مسنة جرباء نهشت وهرشت كل فواكه المدينة ونهبوها لحما وشحما وعظما داعسين حنان العيون وورودها صاهلين على سروج الدمار وأنصال القوادين فاستحم الغضب فينا وتفتحت شهوة المشانق لمصبات الاعناق ..)
أيتها العيون المغتالة ….أيتهاالجداول والمجاري والسواقي والمزاريب التي كانت النجوم تنام في مائك، وتشدو في سمرك الضفدعي، وترقص على وشوشتك ، لم تعد الغصون تميد بردة الطيور، من رماد الكلمات المجروحة تستعير حدائق الغضب لعيون
سملت ظلما بأصابيع جناة قتلة،فأخفت سرها الحزين في
ظفيرة تلك المجاري التي كانت في يوم من الأيام
خابية تروي ضمأ الأطفال والأمهات، وفسحة للأرواح العطاشى لطهرانية الماء،فجرعوها أقداحا فائرة بالسم
الزعاف وحفروا بمعاول الليل نهايتها ليسكتوا خريرها،
فأصبحت جثة ناشفة، غاب طنين النحل في همس
الصباح وغابت البلابل وطيور الحسون، وغرق المكان
في نذب الغراب وزعق العقاب،لقد أناخ عليها الإهمال
والغدر بكلكله وداسها الشقاء ،ولم تعد تمد أيديها للزائرين، لقد كسر تجار التراب أغصانها ،ولووا أنصابها،واقتلعوا رياحينها
ومحوا كل محاسنها، وخسفوا بها الأرض وقعقعوها….
اليوم أيتها العيون تغربت ونزفت، وأصبحت مرتعا مهجورا للرجولة النافشة ريشها،أين تلك الفراشات المائسة التي كانت تتقدم في حياء عند اهتلال الافجار وغمش الأصابيح ،وغبش الأماسي، نحو رحيق المياسيم الأرجوانية الملتاثه بالنور في حضرة حدائق جون موران JEAN MORANE الجليلة المفاتن، الشهية الملامح ،تلثم السكينة و تتوسد ظل السحاب، بستان عين برتيPERTY ترسل يراعته ضوءها الأخضر الصافي، تحت إيقاع صوت الصراصير ونقيق الضفادع،ترقص عراجين النخل والدردار والدفلى، تنام في مسامها
الديدان والعلق تحت ريح رخية محفوفة بشقشقة العصافير والأطيار والخضرة اليانعة التي تضيئ وتغ العتمات، حيث تأخدنا أوراق التوت التي تعجردت وعاندت وتناثرت على الرصيف المؤدي
إلى البحيرة بأدرعها الطويلة إلى مدارج الإنتشاء الموعود حد الارتجاف ،ونحن نتصبب نورا وهي تصبغ الأفق بالنعاس، نعاقر دهشة المكان وندوخ في أريجه قرب بستان فالنتا FALANTI ومسبح موسيو RAY في أحشاء الهواء، كل شئ يتدفق :الماء والنعمة،القوس والوتر،الصوت والضلال الملحف بدثار الحب ونحن نراقب اليراعات والبزاقات،نتدحرج في المنحدرات يتصبب العرق
من مسامنا كالماء من كوز طيني،النساء يتصايحن كأنهم في
شجار تعلو ضحكاتهن غير مكترثات بضجيح الصبيان ،يلقين بخرق
أمانيهن مع الماء مع ذكر بركة الأولياء والصالحين، ندف الصوف والأكسية وحصائر الدوم في نبع الماء مشمرات عن أكمام قفطانهن والعرق الفياح ينضح من الأصداغ في هرج ودلج وجلجلجة ،
نقرات من العقيق تطوق النحور ،وأياد مزينة بخواتم فضية بحجم
فكة نحايسة لامعة ،أقراط ذهبية تتدلى من الاذان عليها ديك
نفش ريشه، الماء ىفيض على الحوافي وهن يشمرن عن سراويل
بثوب رهيف وأخريات يرضعن ويهدهدن ويناغين صغارهن بين ممراتها الضليلة الدائخة بعريشها الممتد…
لازالت رائحتكم أيتها العيون تنكأ جراح الذاكرة العليلة…..
متلضية من الحنين الجارف….تدرفين دمعا عند كل مغيب ،ترمقك العيون الحيارى ، ذبلت قدودك وفقدت حروف الزين ،وغمرتك غرابين وبوم نواح ،كل شئ هنا
ينصب العزاء لفقدكم ،نحتبس الذكرى في أعماقنا خشية
ان يغادرنا شداها..يشاكسنا طيفك في العتمات فما
أقسى ردمك،ومحاصرتك، فيك ذابت سنون الفرح والمواعيد المستحيلة،وسيظل اسمك محفورا في
الحنايا ككتابات الزنازن….ايتها العيون سيبقى خرير مياهك الدافق يعطر شظايا المكان،وستظل ذكراك حية نابضة في نفوس أجيال فاستحلت إلى مزابل ومطارح بعد
كان لك صخب يصعب إغضابه.ا اليوم اصفر قصبك وسرق الحكل من عينيك، وأصبحت جثة محنطة في دعة
البياض، أماكن خانها دلالك واستوى الجرح بعد ان كنت منتشية بركعات الأزهار وخطى العشاق التي لا يمحوها هطل ،فكشفت عورتك للريح تصفر فيها مرتعشة تغالب نسائم الربيع بأنفاسها الساخنة في الشمس والظلل، اليوم أتخنتك سيوف الخديعة،فانهدلت سوالفك ملتاعة
الحشا وانفقصت قيحا ودماميلا ككلب أعياه القراد…..
وستبقى عيون وادي زم حكاية شهيد لحفيد رغم اتساع الخرائب وزحف الأنقاض ،ونصب المشانق، وتدمير الحدائق ، حكاية أسطورية معتقة تنزف مسخا صارت بذكرها الركبان على طرق الحوافي المشذرة وصداها على كل الأبواب تحدث أجيالا قضمت أحلامها وانتنت جفونها ألما،وأضاعت صحوتها ،وتوقدت ضلوعها،ووتوسعت مسامها غضبا ،و شربت هواء الهزيمة الخاثر بالثمر واللبن متربعة على الأرصفة و هوادر الهراء والثرثرة يلعقون زبد الوعود ويجرون حقائب أيامهم ليكفنوا وصلا مستحيلا مع ماض جميل التحف عباءة الظلام لن تقندل عتماته لا المراتي و لا التفجعات……

