هل عاقبت اللجنة المركزية للتأديب الضحية والفاعل معاً ؟ قراءة نقدية في قرار تأديب قمة الجيش والرجاء

ذ محمد نشاط محام بهيئة سطات ودكتور في الحقوق
ومهتم بالقانون الرياضي

في أعقاب مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي التي جرت أطوارها يوم الخميس 30 ابريل 2026 بالمركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله، والتي عرفت احداث شغب بين جماهير الفريقين نتج عن ذلك تخريب عدة مرافق بالمركب الرياضي، فأصدرت اللجنة المركزية للتأديب التابعة للعصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية قراراً تأديبياً بتاريخ 01 ماي 2026، تضمن عقوبات في حق الفريقين على خلفية أحداث الشغب التي رافقت اللقاء.
القرار التأديبي يأتي في سياق مواجهة ظاهرة مقلقة، لكنه في الآن ذاته يثير نقاشاً قانونياً مشروعاً حول مدى احترامه لمبادئ العدالة التأديبية، ثم هل نحن أمام قرار عادل ؟ أم مجرد محاولة لامتصاص الغضب بتوزيع العقوبات ؟
ان الاجابة عن هذه الاسئلة واسئلة اخرى تتبادر إلى ذهن المتبع ، وفي قراءة خاطفة وسريعة نبذي الملاحظات الآتية:
الملاحظة الأولى : اعتمد القرار توصيفاً عاماً للأحداث باعتبارها “شغباً متبادلاً”، وهو توصيف يبدو متوازناً ظاهرياً، لكنه يطرح إشكالاً
قانونياً دقيقاً هل يساوي القانون بين الفعل ورد الفعل ؟.
ان التسجيلات المتداولة تظهر – وفق ما يروج في النقاش العام – أن انطلاق الأحداث قد يكون من جهة معينة ،في حين جاء تفاعل الطرف الآخر في سياق رد الفعل ، وهنا يبرز التساؤل، هل يستقيم قانوناً مساواة الفعل الابتدائي برد الفعل ؟
ان المبادئ العامة في القانون تقتضي أن تبنى المسؤولية التأديبية على تحديد دقيق للدور الذي لعبه كل طرف، لا على النتيجة النهائية فقط.
.الملاحظة الثانية : عقوبات متفاوتة وتعليل ونصوص قانونية غائبة
ميزت اللجنة بين الفريقين من حيث عدد المباريات بدون جمهور (5) مقابل (3) غير أن هذا التمييز ظل محدوداً، ولم يدعم بتعليل كافي يوضح أسس هذا التفريق ، خاصة وان المستقر عليه فقها وقضاء ان جميع القرارات يجب ان تكون معللة تعليلا كافيا حتى تمكن الهيئة اعلى درجة من مراقبة مدى تطبيق الهيئة المصدرة للقرار القانون بشكل سليم، بل الأكثر من ذلك ان التعليل لم يعد مجرد الزام قانوني بل حق دستوري تم تكريسه في دستور 2011 في الفصل 124
الذي ينص: تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون. يجب أن تكون الأحكام معللة وتصدر في جلسة علنية وفق الشروط المنصوص عليها في القانون .
فعدم تحديد بشكل دقيق من بدأ الشغب وكيف تطورت الأحداث وما معيار تقدير العقوبة، وايضا النصوص القانونية التي اعتمدتها الهيئة مصدرة القرار في تفريد العقاب ، يجعل القرار أقرب إلى منطق التوازن الظاهري منه إلى تحليل قانوني مفصل ،بمعنى ادق ان الهيئة التي أصدرت القرار حاولت أن تبدو عادلة ومتوازنة في الشكل فقط، من خلال معاقبة الطرفين وتوزيع العقوبات بينهما،لكن دون أن تبين بدقة من المسؤول عن الفعل.
الملاحظة الثالثة : وسائل الإثبات المعتمدة تطرح سؤال مهم هل تقرير الحكم ومندوب المباراة يعدم وسائل الاثبات الأخرى؟ ، بمعنى آخر هل الصورة والفيديوهات حضرت اثناء المداولة لتكوين قناعة الهيئة مصدرة الحكم ؟
اعتقد انه في قضايا الشعب الرياضي، تظل تقارير الحكم والمندوب ذات قيمة رسمية، غير أنها ليست بمنأى عن النقاش.
خاصة في ظل وجود تسجيلات سمعية بصرية، وبالتالي السؤال الذي يفرض نفسه هل ثم تمحيص كافة وسائل الإثبات. أم تم ترجيح الرواية الرسمية فقط ؟ وهو سؤال جوهري لما له من أثر مباشر على سلامة التكييف القانوني للوقائع.
صحيح ان تقرير حكم المباراة ومندوبها يعد تقريرا رسميا والحجة التي تركن اليها الهيئة القضائية في تكوين قناعتها لإصدار قرارها، لكن امام وجود حجج اخرى كفيديوهات وصور قد تكمل وتعزز التقارير الرسمية، بل قد تعطي صورة اوضح من التقارير الرسمية، خاصة إذا كانت التسجيلات تظهر أن هناك طرفاً هو من بدأ، فإن تجاهل ذلك يطرح إشكالاً حقيقياً في العدالة التأديبية.
اعتقد انه لا يوجد ما يمنع من الاعتماد عليها خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي اصبح الية حاسمة في فض النزاعات، وبالتالي فان تغييب اللجنة المركزية للتأديب الفيديوهات والصور المتداولة سواء في القنوات الرسمية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي يجعل القرار مشوب بعيب نقصان التعليل الموازي لانعدامه، خاصة وان الغاية المرجوة من اللجنة التاديبية اصدار قرار يحترم روح القانون، واحقاق العدالة لان القرار المنتظر صدوره في مثل هذه القضايا يعتبر عنوان للحقيقة امام تضارب
الروايات والسرديات.
الملاحظة الرابعة: قرار يساوي بين الرد المشروع والمساهمة في التصعيد
كقاعدة قانونية راسخة لا يمكن وضع جميع الأفعال في سلة واحدة، فالقانون يميز بين من يبادر بالفعل ومن يتفاعل معه
وذلك في اطار تفريد العقوبة بشكل سليم .
وفي هذا الإطار، فإن رد الفعل، إذا كان محدوداً وغير متجاوز، قد يستوجب تقييماً مختلفاً، سواء من حيث المسؤولية أو من حيث العقوبة.
ان محاربة الشغب لا تعني تعميم العقوبة، وإن تشديد العقوبات في المجال الرياضي هدف مشروع، غير أن ذلك يجب أن
يتم في إطار احترام مبدأ شخصية العقوبة ومبدأ التناسب وواجب التعليل
فالعدالة التأديبية لا تقوم على معاقبة الجميع، بل على إنصاف كل طرف وفق دوره الحقيقي.
خلاصة
يبقى القرار الصادر عن اللجنة المركزية للتأديب خطوة في اتجاه تكريس الانضباط داخل الملاعب، لكنه في المقابل يفتح
نقاشاً مشروعاً حول مدى تحقيقه للتوازن بين الردع والإنصاف.
ذلك أن العدالة، في بعدها الحقيقي، لا تقاس بصرامة العقوبات، بل بمدى دقتها وعدالتها.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.