سَمْفونية العِشق الممنوع…

ذ محمد نخال

رفَّتْ عيْني للقائِك، وكم أذُوبُ عِشْقا في العَسل الذي يَقطر شَهدا من شفَتيْكِ، كلما سَمعتُ صَوتك الطَّروب أغار، وكلما رأيتكِ أمامي أنْهار، وإذا غِبتِ عنّي، سالتْ على خُدودي سيُولٌ وأنْهار، وما أنا إلا ضَحيةُ عِشقك الجبّار، أكْرَهْتِني على اتِّباعِ مَشارِبِكِ الوَعْرَة، وبعْدَما تَلَوَّنْتُ بألْوان عِشْقِكِ، أصْبحْتُ سَجينَ هَواكِ، وأصْبَح قلبي مَخْلوعا من عَرْشه، يَتَعَزَّى بَنفْسي السَّجينة المُسْتَوْحِشَة، وأصْبَحْتِ أنتِ حلْمي المُزْعِج، الذي يُجاوِرُ رُوحي المُتْعَبة، بعد أن أخْرجَ مَواكِبَها من بيْن جَوانِحي، وصَار إكْلِيلُ الرّياحين في يَدِكِ أشْواكَ سِدْرٍ تُدمِيني، وبَدا هَيْكَلُك أمامي شَبَحا مَهيبا، بَعد أنْ كان مَلاذي، تَكْتَنِفُني فيه السّعادة وأتَذَوّقُ فيه مَعْنى السّعادة.
سَأمْخُر عُبابَ البَحْر، وأقْطَع الفَيافي، وأجْتاز الجِبال والوِدْيان، لألْتَقي بِروحي التّائهَة، وقدْ جِئُتُكِ في هذه الّليْلة التي حَجَب الضّبابُ الكَثيفُ بَهاءها، لِتَسْمَعي وصِيَتي الأخِيرة:
فما عاد سَبيلي هو سَبيلك، فَدَعِيني ولوْ لِمَرّة أخِيرَة، أرَتِّل تَراتِيلَ الهُيام، في مِحْرابَ عشقك، حتّى يَلِينَ قَلْبُكِ القاسِي.
دعِينِي أرْتَجِفُ بَردا، طمَعا في دِفْء صَدْرك الدَّافئ النّاسي.
دعِيني أتَسّلقُ تضاريسَ جَسَدِك الفتَّان، حتّى أقِفَ على شُموخِ قِمَم مَجْدي الهَرِم.
أحِبُّكِ وأنتِ الظّالِمة.
أحِبُّكِ وأنتِ الجاحِدَة.
وحُبِّي لكِ لا يَخْضعُ لِمَنطِق الأعْراف، وليْس له صِنْوٌ في قَواميس العُشّاق.
نَوْباتُ جُنوني فيكِ تَزيدُني قُوة.
هدَيانُ رُوحي في ذِكراكِ زادي ومَؤونَتي.
احْتَرق حُبّي لأجْلكِ، فكان رَمادُه جَمْرا مُشْتعِلا، يَصْطَلي بِدفْئه المُرتَعِشُون، وجَرى دَمْعي، فتَحَوّل إلى جَداول تَرْوِي الرّياحِين الذّابِلة.
نُوَاحي اسْتَلْهَمَتْه العَنادِلُ بين الاغْصان.
نَحيبي تَرانيمُ هُيام، صَدَحَتْ بها حَناجِر العُشّاق، وَرُفاتِي صَار مَزارا لِكُل المُغْرَمين.
أيّتُها السّالِبَة، دَعيني أنْظُم أبْياتَ شِعْري الثّائِرة دُون قَوافٍ، في حَضْرة العُشّاق، حتّى يَشْهَدُوا ذَوَبان رُوحِي المُنْكَسِرَة.
دَعيني أرْحَل في أسْراب الطُّيور المُهاجِرة، حتّى أنْسَى هُمُومي الثّائِرة.
أيّتُها الرّابِضَة في دَهاليز ذِكْرياتي، والسّاكِنة بين أطْلال أيامي الخَوالي، والجاثِمة على أنْقاض كِياني، ما عادتْ تُسْعِفُني كَلماتي، ولا عادتْ تُطيعُني أبْياتي.
ما عاد شِعْري يُجدي، ولا دَمْع عُيوني يُشْفي.
أرْسُم قَسماتِ وجْهكِ، على حِيطان الدُّروب، لَعلي أظْفَر بِملامِحك، التي لا زالتْ مَحْفورة في صَميم وِجْداني، وأنْذُب حَظّي العاِثر، الذي ساقَني إلى قَدر جَبَروتِك.
هجَرتُ القمر الذي آبْتلاني بالسَّهر لذِكْراكِ، وخاصَمْتُ النُّجوم، التي تُذَكِّرُني بِبَريق عيْنيْكِ، ورَمَيْتُ الوردَ الذي يُضاهي بَهاء خَدّيْك، وأقلعْتُ عن العَسل الذي يُذَكّرُني بمَذاقِ شفَتَيْك، وتنَكّرتُ للغُروبِ الذي يسْتمِدُّ بَهاءه من حُمْرة وجْنَتَيْك.
قضيْتُ سِتّين عاما، أقْرأ كُتُب العِشْق، ولمّا عَشِقْتُكِ، نَسيتُ ما دَرسْتُ، فَرَسَبْتُ في أول اخْتِبار، فأنا مُنْد تَدْوين تاريخ العِشْق، كنتُ أول من سَطَّر في سِجِلِّه أحْرُفَ الهُيام، وكنتُ أول من وَقَّع في الدَّفْتر الذَّهبي للمُغْرمين، وأول من وضَع اللبِنَة الأولى لتَشْييد صَرْحٍ العاشِقين، وكنتُ ضالِعا في تأليف سَمْفونية الحُب الأفْلاطوني، التي أصْبَحتْ أنْغامُها إِلْيادَةَ المُتَيَّمين، يَتَردَّدُ صَداها في مَحافِل المُعْجَبين. ولكن معكِ ما أفْلَحْتُ وما أفْلَحَتْ تَجاربُ السّنين.
اسْتعنْتُ بفُحول المُعلَّقات في الجاهِلية، وحَفظتُ كل المُقَدّمات الغَزليّة والطَّللية، فما أغْنَى عنِّي امْرُؤُ القَيْس، ولا النّابِغة الذُّبْياني، ولا أسْعَفَني جَبران أو المَطران، ولا القَبَّاني.
واليوم وأنا أقِفُ أمامكِ حائِرا، كأُمِّي يَفْقَهُ أبْجَدِيات الغَرام، أعْتَرِفُ صادِقا، أنّني مُجَرد مُبْتدئ، فما عُدتُ أنا هو أنا، وإنما أنا ماضٍ بلا مَعنى، وحاضِر بلا أمَل.
أنا يا سيّدتي الوَحْدةُ نَفْسُها، كسَدَتْ عَواطِفي، واهْتَرأ وجْداني، وضاعتْ أشْعاري بيْن الرُّفوف المَنْسية.
قُولي بِربِّكِ، هل بعْد احْتِراق السّيجارة، يُوجَد من يْطمَع في اسْتِعْمالها، وهلْ بعد اسْدال السِّتارة، وانْتِهاء فُصول المَسْرحية، يبْقى هناك مَجال للفُرْجة.
صَدِّقيني، فَلِكلِّ بِداية نِهاية، أما أنا فما نِهايَتي مَعكِ إلّا بِداية.
فما أقْساكِ وما أتْعسَني.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.