ذ محمد نخال
الهمسة 2
تبَسَّمتْ حتى بانَتْ نَواجِدُها وقالتْ:
زِدْني فما كُفِيت!
قلتُ:
وهذه الإبْتِسامَة السّاحِرَة، من ثَغْرِك البَسَّام بِلَون قَوْس قُزَح، تَجْمَعُ كُلَّ تَفاصِيل الجَمال، تَجْذِبُني كما يَنْجَذِبُ الفَراشُ نحْوَ النّار، فتُشْعِل فَتِيل حَريق رُوما بينَ جَوانِحي.
وهذا الصَّوْتُ الشَّجِيّ، عِنْدما يُداعِبُ سَمْعي، يُشَتِّتُ كُلَّ أحْزانِي، ويَجْعَلُني أرْقُصُ على رَنَّاتِ مَقاماتِه، رقْصَةَ الهُنُود الحُمْر حَوْلَ النَّارِ المُقَدَّسَة.
وهاتَيْنِ الوَجْنَتَيْن السَّاحِرَتَيْن، كَزنْبَقَتَيْن بَرِّيَتَيْن، تَفَتَّحَتا شَوْقا لِقُدُوم نَيْسان، ما أنْفَكُّ أحُومُ حَوْلَهُما، كَهَزارٍ لاَهٍ بيْنَ الطُّلُول، يَبْغِي رَحِيقا مُعَتَّقا.
وماذَا أقُولُ عَنْ حُضْنٍ، بِدِفْء شَمْس صَباحِ يَوْم رَبِيعِيّ، عِندما أغْرِسُ رَأسِي بيْن جَوانِحه، كهارِبٍ مِن صَقِيع الهِمَلايَا، أحِنُّ شَوْقا لِصَدْر أمِّي الرَؤُوم، وأعُودُ لِصِباي، وأتَمَنَّى لَوْ يُسْعِفُني الدَّمْع، وأبْكي بيْن دِراعَيْكِ، بُكاءَ رَضِيع مُشْتاقٍ لِحَليبِ أمِّه، وأُمارِسُ طُقُوسَ الهَبَل.
فكيْفَ يَطيبُ مقامي بَعيدا عَنك!
وهذا القِوامُ الرَّشِيق، مُسْتَوْحى من قَضيبِ خَيْزُران، عندما أتَشَبَّت بِجَوانِبه، يَسْري الدَّم في عُروقي، سَرَيانَ الأوْدِية الثَّائِرة في الشِّعاب العَميقَة.
وهذه السّيقانُ العاجِيَّة المَنْحُوثة، كأعْمِدة في سَرايا الهَيْكَل، بِخلاخِلَ ذَهَبِيَّة، عِنْدما تَسِرينَ نَحْوي، تَنْتابُني رَعْشَةٌ عَتِيّة، فأخالُكِ فَرَسا جامِحا، يَدُكُّ بِحَوافِرهِ حَصْباءَ الوَادي.
فجْأةً وضَعتْ يَدَها على شَفَتي بِرفْقٍ، واسْتَوقَفَتْني ثم قالتْ:
لم يَعُدْ يَكْفيني حَدِيثُكَ ياهذا، إنّي أوَدُّ أن تُعانِقَني!
قلتُ:
وهَذه القِلادَةُ المُرَصَّعَةُ بِلَآلِئ مِنْ كُنُوز كِسْرى، في جِيدِكِ العاجي المَصْقُول، كَتِمْثالٍ مَوْشُوم بحِنَّاء عَرائِس المُرُوج، في مَعْبَد الزُّهاد يَسْتَفِزُّني، عِنْدما أعانِقُكِ لَهْفَةً، أوشِكُ أنْ أفْصِلَ فُصُوصَ الطَّوْقِ عن بَعْضِها، وأتَحَوَّلُ إلى إنْسانٍ بِدائِيٍّ، يَنْزَحُ نَحْو السَّادِيَّة والعُدْوانِيَّة، فأكادُ أفْتِكُ بِكِ.
وهذا الجَسًدُ المَنْحُوث كتٍمْثال العَذراء، لا أنْفَك مُعْتَكِفا في مِحْرابه، كَراهِبٍ مُتَبَتِّل، يَنْشُدُ صُكُوكَ الغُفْران.
قالتْ ألمْ أقلْ لكَ بأنّكَ مَجْنون
قلتُ: وأنتِ صَنيعَة جُنُوني، أنتِ فاكِهَة المَحَبة، جَنَيْتُها من شَجَرة الحَنان، أنتِ ساكِنةٌ لِجَسدي بلا اسْتِئْذان، ومالِكَة مِفْتاح قَلبي إلى الأبد. فأنتِ وحْدَكِ من يَكْفيني، وأنا بكِ أكْتَفي، أعْشَقُك ألْفَ مَرة، وفي كُل مَرّة أشْعُر بأنني أحِبُّك لأول مَرّة.
فكيفَ أنساك!
بِرَبِّك، ماذا أفْعَلُ بِقَلبٍ يَحْتَرِقُ شَوْقا لِعَيْنيْك، وكيْفَ أُدَاري لَهِيبَ الجَوَى، وهُو يَشْوي وجداني.
آه يا مَوْلاتي، إنّي أرى ما لا تَرَيْن، وهل يَشْعُر القاتِل بآلام القَتيل؟ وهل تُعاني النَّارُ مما يُعانِيه الفَتيل؟
فأنا يا سَيّدتي قَتيلُ هَواكِ، ونارُ فُؤادي أوْقَدَها فَتِيلُ جَواك.
إني مُقيمٌ دائمٌ في دُرُوب أحْزانكِ، ولحُبِّكِ الجائِر طائِع.
أسْكَرُ حتّى الثَّمالة بِهَمْسة من شَفَتَيك، فهل بمَقْدور غَرامُك أن يكُونَ لعَذابي شافِع!
حُبّك كَسر جَناحي فتَواضَعتُ ذُلًّا لِقَدْرِك، فهَل بمَقْدُور سُلطان هَواكِ أن يَكُونَ لِقَدْري رافِع؟
فًلا تَتَعَجًّبي!
….. (يتبع)…

