عَزْفٌ على أوتار القُلوب…

ذ / محمد نخال

جَلَسا على صَخْرة مُعانِقَة للبَحر، في أُمْسِيَة حالِمة، تَزَيَّنَتْ بمَساحِيق غُروبٍ ساحِر فتَّان، فَبَدَت الشّمس كعَرُوس حَوْراء رشِيقة القوام، قَدّها كقَدِّ قَضيب خَيْزُران، زُفَّتْ في ليلة دُخْلَتِها في فُسْتان مكْشُوفَ الكتفين من الطَّيْلسان، أبْدْعَتْ في إخْراج رَوْنَقِه يَدُ كل بارِعٍ فنّان، لا يُكَدِّرُ صَفاء الوُجود وهُدُوءَه حوْلهُما، غيْر نغَمات حَزينة، لنَوْرَس يَسْتَعِدّ للرّحيل، وقَد تاهَ عن سِرْبه فأضَلَّ السَّبِيل.
كانت الشّمس تَميل رُوَيْدا رُوَيْدا نحْو الغُروب، وقد بَدأتْ في لمْلَمَة آخر خيُوط أشعَّتِها الذّهبية، التي تُضاهي في بَهاء روْنَقها، ضَفائِر حَريريةٍ لفَتاة غَجَريةٍ، خَرجتْ لِتَوّها من شَطِّ الاسْتِحْمام، وعَرضَتْ جسَدها البِلَّوْري على أديم الرّمال الذّهبية، واسْتَطالَ ظِلّ الصّخور وتَمادى، حتى بدَتْ كأشْباح ثائِرة، تسْتعِدُّ لاكتِساح الوُجُود بعد نزُول الظّلام.
في لحظة مُناجاةٍ للأرْواح السّابِحة في مَلكُوت الصَّبابَة والهُيام، وتأمُّلٍ لحِكاية عِشْقِهما الأفْلاطوني، غَمَرَتْهما سُيُول السّكِينة والاطْمئنان، وخيَّم السُّكون بينهما، وأدْخَلهما إلى مَعْبد الحُب العُذْري، فاتِحا المَجال لِتَرانِيم دقّات قلبَيْهما، المُتَناغِمة تَناغُم وصلات مُوسيقية في عَزْف سَمْفُونية الإحْساس النّبيل.
في غفْلَة منه، هاجَتْ مَشاعِرُه هيَجان الأمْواج المُنْكسرة على أعْتاب الصُّخور الصَّماء، ودون أن يَلتَفتَ إليْها، مَدَّ يدَه نحْو خِصْرها النَّحِيل المسْقُول، وجَذبَها إليه في رِفْق وحَنان، فلانَتْ في يَده بكل خُنُوع واسْتِسْلام، كما يلِينُ حَديدٌ يَصْلَى نارا حامِيَة، ثم رمَى بهَيْكَلِها المُتَلاشي بين خُلْجان أحْضانه المُتلاطِمة، وهو يعْلمُ عِلم اليَقين أنّها لن تسْتطيع مُجارات ثِيار عِشْقه الجارِف، ولن تَقْوَ على الصُّمُود أمام مَدِّ وجَزْرِ أمْواج بَحْر غَرامه المُشَاكِسة.
مُنْهارَة، وضَعَتْ رأسَها على صَدره المَمْلوء مَحَبّة، فتَصاعَدَتِ الآهاتُ من صَدْرها المَسْلُوب كَحِمَم بُركان ثائِر، فغَرَس أصَابعه بين خِصْلات شَعْرها المُنْسابَة انْسِيَاب الغُدْران الرَّقْراقَة بين الخُلْجان، وقال بصَوْت يُضاهِي تَرْنِيمَة ناي حَزِين:
ها أنَذا يا حبِيبتي، قد تَرَكْتُ كل شيء لألْحَقَ بِك في سَرادِيب الغَرام.
دخلتُ دُرُوب العِشْق مُتَسَكِّعا أبْحثُ عنْ مَلْجأ بين رمُوشِك المخْمَلية فتاهَتْ سُبلي، وطال بهما المَقام.
فَتَنَني رحِيقُ شَهْد شَفَتَيْك العسَلية، فعَلِقْتُ بين دهالِيزها، وما أسْعَفني الفِطام.
سَلَبَتْني نظراتُ عيْنَيْك الفَتّاكَة، فَزاغَ عَقْلي، وسَكَرَتْ رُوحي بلا مُدام.
قهَرَتْني ابتِسامَتُك السّرْمَدِيّة فخَبَلَتْ لُبّي، وملكَتْ حُشاشَتي، كما البَدر في ليلة التّمام.
استَسْلَمْتُ للهُيام، فضَاقَ صَدْري لغَيْرك، فأصْبَحْتُ أتنَفَّسُ الهَواء، مَمْزُوجا بِنفًحات عِطْرك الزّكية.
إنّي يا مُلْهِمَتي، وأنا العاشِق المغْرمُ الوَلهان، لأرى طيْفَك في تَمايُل الرّياحِين، وأسْمعُ همْسَك في صَوْتِ العَنادِل اللاّهِيَة بين الأفْنان، وأتَرنَّم لِحَفِيف خُطاك في زقْزَقة البَلابل. وإنّي يا حبِيبتي، وأنا الصّريعُ المُتَيّم بِهَواك لأراكِ في أحْلامي، فراشةً جميلة تَمْرَحِين بين الزّنابِق البّرية في الفَلاَة، وحُورِية تسْتَحِّمين تحْت شَلاّل عبَراتي، وهَيْفاء تسْعَدِين بين جِنان مسَرَّاتي، ورُمَيْساء تَسْتَنِيرينَ بفانُوس أرَقِي وسُهادِي وسَهَراتِي.
يا سيّدتي، لقد تَقَوّس ضَهْري، وشابَ رأسِي، وأنا أُقارِعُ طَواحِين جاذِبيَة الرّحِيق العالِق بين شَفَتَيْ ثَغْرِك البَسَّام، وما أشْبَعْتُ نَهَمِي، ومَرَّتْ سِنِين من عُمري، وأنا أصَارعُ ثِيار هَواك الجَارِف، على شَواطئ مُقْلَتَيك، وما وصَلتُ إلى بَرِّ الأمَان.
أنا تائِهٌ بين دُرُوب هواك المُوغِلَة، فمنْ يُرْشِدُني؟
أنا قابِعٌ بين رُكام ذِكْرياتِكِ المُوحِشَة فمن يَنْتَشِلُني؟…
يا بارِقَة أمَلِي، دَعْكِ بِقُرْبي، فالوَحْدَة القاسِية تنْهَشُني، وهذا المَساء قد أطبَق على الكَوْن بجَحافل ظلامِه الحَالك، وأنا المَهْزُوم، فَساعِديني.
أيَّتُها السّاكنةُ في عُيُوني، والمُكْتَسِحَة لفُؤادي، والسّابحَة في شَرايِيني، إذا كان الحبُّ قد جمَعَنا في باحَة الغَرام، فمن باسْتِطاعَته أن يُفرِّقَنا، وإذا كان الحب قد وشَّح صُدُورنا بوِشاح المَحَبة الصادقة، فمن يستطيع أن يُمَزّق أُلْفَتَنا، وقد عَقَد الود بيننا عَقْد تَوْأمة لا يَحله إلا ريْبَ المَنُون.
فتعالي يا تَوْأم رُوحي، نكَسّر جميعا جِدار الصّمت الجاثِم بيننا، ولنَدَع أرْواحنا تتَعانق في بَرْزخ الهيام، ولنَنَمْ في سكينة وسلام، حتى يُعْلن الهَزار عن تَباشِير الصّباح.




قد يعجبك ايضا