للشاعر محمد النخال
في لحظةِ مُزْحة وأنا في هَذَياني
زُرْتُ عرّافَة الدَّرب لتَقْرأ فِنْجاني
لعلها تُخَفّف بعضا من آلامي وأحْزاني
طرقْتُ الباب فارتَعشَتْ أركاني
هتَفَ هاتِفٌ من وراء سِتارٍ ونادَاني
قُلْ: “التَّسْلِيمْ” وادخُل في الحين
ولا تلتَفِتْ شمالا ولا إلى اليَمين
في قَبْوٍ كالقبْر تجلسُ شَمْطاء بلا مَلامِح
لو رأيْتَها حسِبْتَها شيْطانا في النّار سابح
أشارتْ إلي بعَصاها وأمَرَتْني بالجُلوس
تردَّدَتُ قليلا فصاحتْ: ما بك أيها المتْعُوس
غير بعيدٍ منها جلستُ القُرْفُصاء
تأمَّلْتُها فإذا بها سَوْداء كالخُنْفُساء
تناولَتْ مجمرا وأشعَلَتْ جمْرا
ارْتَشَفَتْ مَشْرُوبا ظَنَنْتُه خَمْرا
رمَتْ بُخورا فعَمَّ المكان دُخان
فبَدَتْ من ورائه كمَارِدٍ من الجَان
رمَتْ بأوْراق النًرْدِ أمامي
ردًدَتْ كلماتٍ بلا مَعاني
” ها قَلْبَكْ…. ها تَخْمَامَكْ….. ها بَاشْ أتاكْ الله ”
“تمْشي وتْجِي حاجْتَكْ مَقْضِيَة”
“حُطْ البَارُوكْ في الصِّينِيَّة”
قالَتْ: يابُني أرَاك في حالٍ مهْمُوم
في عقْلك حسْناء من بلاد الرُّوم
بعيونٍ زرْقاء وشعر أشْقر مَبْروم
يابني أنت تُطاردُ ريحا في الفَلاة
أنت تبحثُ عن وهْمٍ في روايات
يا جَاري العزيز أنتَظركَ من زمان
خُدْ برأيي وسيَعْلو لك كل شان
فأنتَ في عيْن ابنَتي “شارُوخان”
عُدْ إلى رُشْدك وتَزَوّجْ “خُناثَة”
فهي قوية سريعة طائرة نفّاثة
تُحِبّك وتنتظر منك مُجرّد إلْتِفاتَة
اسْمَعني جيّدا أيها المَهْبول
عليك بخناثة المَصُونة البَثُول
فهي لك وما عليك إلا القبُول
علّقَتْ في عُنقي حِرْزا وتَمِيمَة
وقالتْ ستَجدُها عاقِلة حَليمة
رشَّتْني بِخليط عَجيب
فأحسَسْتُ بدوار رهيب
أمسكتْ بيَدي فشعرتُ بالخطر
وطافتْ بي في طقوس حَول مِجمر
ورسَمَتْ على جبيني طلاسِما من السّحر
حينها أطَلَّ من زاوية رأسٌ أشْعَث منْفُوش
على جبِينِ صاحِبَتِه الغَم والشُّؤْم منْقُوش
ابتسَمتْ فظهرتْ أسنانها كالمُشْط
سارتْ نحْوي كالإوَزّة تمْشي ببُطء
حينها أدركتُ أنها الملعونة “خناثة”
وأنني وقعْتُ في مَصْيَدة النّفاثة
في غفلة سَحبْتُ يدي من كمّاشَتها
وأخدتُ مسافة الأمان من حَماقَتها
رميْتُ في حِجْرها فِلْسا لا يَجُوز
قلتُ هذاك يَكفيكِ أيتها العَجوز
وأتْبَعْتُها ساخرا أيتها الشّمطاء
تقولين تفاهاتك بلا حياء
اجْعلي من “خناثة” وجبَة حسَاء
وقدِّميها للكلاب وقتَ الغداء
واعْلمي أن مَحبوبتي فاتِنة حسناء
أما أنا فأبعَد لك من نُجوم السماء
نظرتْ إلي في ذُهول
واحْمَرَّتْ عيْناها كالغُول
ضربتْني بعُكّازها على أُمِّ رأسي
فحسِبْتها نزلتْ علي بالفأس
قالت أتسْخَر مني أيها المتْعوس
أتهْجُو سيّدة النساء يا منْحوس
لقد خابَ فيك يا أحمقُ كل الظّن
سأسَخِّرُ شياطين الإنس والجن
لن يكون لمحبوبتك بعد اليوم أثر
ياولدي سأجعَلكَ عِبْرَة لمن يعْتَبر
أطلقْتُ ساقاي للرّيح هاربا
ولِعَرْض بابِها المُهْتَرئ ضاربا
من يومها كلما رأيْتُ “خناثة” أخْتَفي
أعلم أنها مسْعُورة ولآثاري تقْتَفي
كلما رأتني لوَّحَتْ بالتّهديد والوَعيد
وأقسمتْ على جَعْلي شَرائح من قَدِّيد

