من المجموعة القصصية (وصف ما لا يوصف)

ذ/ مجدالدين سعودي : (العامرية)

1
عانقني كما عانقتنا الأنقاض سابقا ولاحقا وهتف: كم أنا سعيد.
واستغربت لهذه السعادة الفجائية وسألته: لماذا؟ …
وأجاب بهيام يخفي تهكما واضحا: لقد وجدتها ….
تساءلت رغم عدم فهمي قصده: ماذا وجدت؟ …
أجاب بسفسطة، وجدت الخطأ؟
وفقدت صبري متسائلا: أي خطأ؟
وأجاب بنفس القوة: خطأ السقوط السابق واللاحق ….
تمالكت نفسي بشدة ثم صرخت: أي سقوط؟ …
قال بتهكم بواضح: السقوط في الامتحان العسير …
واضطرت للتساؤل مرة أخرى: أي امتحان هذا يا هذا؟ …
وهتف: السقوط في امتحان العامرية؟ …
وخفضت عيني ….
وأخفض عينيه …
لقد لفنا الصمت بطوق كئيب … وعندما تموت اللغة يتكلم الصمت …
2
العامرية؟
تسكنين الأهداب والعيون، يكثر الجوع … يهرب الحق … تشع الدبابيس … ينقلب المنقلبون … تدك القنابل الأرض والبشر …نفط وقحط …تنمية مؤجلة لأن أهل الرياء والسياسة قرروا دخول الحروب نيابة عن الغرب … نفط مقابل سلاح …نفط مقابل تغذية …نفط مقابل سراب …. نفط مقابل بيارق وإيديولوجيا زائفة …. نفط مقابل حصار …. نفط مقابل فك حصار …نفط مقابل إعادة حصار وإعادة فك حصار وإعادة اعمار …
لم الموت المجاني؟
لم الحرب بالنيابة؟
لم مهاترات ساسة آخر الزمان الذين يقتاتون من الموت ويدفعون مقابله نفط …
مصيبة العامرية أن حكامها بنوا عروشهم وبيارقهم وواجهاتهم السياسية والثقافية عبر نفط…
أتذكر عامري قال متأسفا: الفقر آفة صغرى والنفط آفة كبرى..
كان العامري يموت ببطء…
كانت العامرية تموت بتسلسل ممنهج …
وبين الأنقاض كانت العامرية تحيي مرة ثانية …
وبين صرخة الموت والميلاد أجيال وأطياف …
3

هناك في الأفق البعيد أخفت العامرية دمعتين يتيمتين … ولم أشفق بطبيعة الحال على هذا البكاء المجاني …. ليسقط البكاؤون … فقد شبعنا بكائيات منذ أيام قرطبة واشبيلية يرحمهما الله وليسكنهما فسيح جناته في ذاكرة هذا التاريخ النتن خاصة وان العالم لم يعد يعترف بالدموع … والدموع لم تكن أبدا قضية.
ترى ما هي القضية؟ …
الجريمة لم تكن قضية هي الأخرى و (الأرض القضية) لم تكن قضية.
ترى ما هي إذن القضية؟
+ في تاريخ المزابل، سقطت إمارات وانهارت دول بسبب الظلم وسوء التدبير وفساد الأنظمة وعبادة الذات البشرية الفاتنة ومسرحيات البلاء والولاء والدواء والداء والقضية مازالت مستمرة …
– لم تجبني بعد عن القضية؟
+ انه الزلزال الذي دمر بيروت أيام الحصار ……ودمر بغداد أيام الحرب العالمية الثالثة ودمر بالتالي شعرة معاوية التي جمعت من قبل بين ما يقال وبين ما يفعل …
وإمارات السوء؟ …
بنت مجدها الزائف على قحط ثم نفط ثم سخط …
لم أفهم بعد، فالأحداث متداخلة وخيوطها متشابكة …
صحيح وتحتاج لسكاكين ومقص وربيع ودم وربيع مضاد ودم مضاد..
لم أفهم …
تحتاج لزلزال وشهداء ….
لقد نسيت القضية …
القضية لا تنسى.. لأننا نعيشها مجددا تحت أثواب وستائر جديدة …
ترى – بربك – ما هي القضية؟
العامرية، باختصار، هي قضية القضايا ….
4
وبيروت لم تبك …
بغداد لم تبك …

كل العيون العسلية رفضت الدموع..
الآن بالضبط تذكرت العامرية وتذكرت أوتوماتيكيا الربيع الميت في ذاكرة ديباجة (عروبة وقومية وسلام واستسلام) … ربيع ميت في ذاكرة الخندق والحصار …
تذكرت المناديل وهي تودع الخيول … تذكرت البحر الغاضب وهو يودع أعز الورود والرياحين … تذبل كل الورود … تسقط كل الدكاكين تحت الأنقاض … ويحتسي المرتزقة الخمر قرب المقدسات.
5
وحبيبتي تندب عشا انهدم … حمامة بيضاء رحلت بعيدا … غصن زيتون تكسر … طيور نورس قررت الهجرة النهائية … بحر أبيض أو أحمر جفت مياهه …عقالات تائهة … كلاب ضالة … جثث متعفنة …بؤر فتنة … تصفيه حسابات تافهة … الهاء شعوب ثائرة … أكل اللحم ورمي العظم … رهوط سمان … هي عناوين زمن القحط …
لم تعد المناديل تودع الخيول … لم يعد البحر يودع الرياحين …
أصبحت المناديل تجفف الدموع والدماء وغاب الفرسان في سماء شاهقة … تيتمت الخيول وانكسرت الطبول …وأصبح المرتزقة يصورون قذارتهم وبطولاتهم الزائفة قرب الجثث …
آه يا صلاح الدين، هذا زمان الدجل والقحط…
آه يا عامرية … هذا مرجل يغلي … وتلك حمامة ميتة …
آه يا عامري.. كم تسفك الدماء باسم أمجاد زائفة وأفخاذ فاتحة مفتوحة …
6
كلنا أبطال …
أبطال القهر …
أبطال الفقر …
أبطال الجوع …
أبطال الكلام والصمت …
أبطال الهزيمة والنصر ….
كلنا أبطال …
كلنا نصنع الملاحم والبطولات ….
كلنا نشارك في الهزائم والاضمحلال …
7
ويناديني صوت آمر:
قف من آنت؟
* هائم زمن القيء.. ذاهب لمعانقة الحلم السرمدي التاريخي …
– ومن سمح لك بالدخول؟
* البحر الغامض من قراصنة يبيعون التافه المدهون بسمن النفاق يتكدسون عبر فرض الأمر الواقع ويضحكون كلما فقدت فتاة بكارتها … الجبال الشامخة التي لم يقهرها البرد ولا حر البشر … الصمت الأزلي لقيادة تتآكل بفعل (الزمن القيء) ولا تتآكل عيون العامرية ….
– إذن أتعرف العامرية؟
* ومن لا يعرف لون عليه؟ … من ينكر العامرية ينكر الله والغابات والجبال والبرد والمطر وما يقال وما لا يقال …
آنذاك انتصرت القوة وتراجع الحق …




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.