بقلم ذ سعيد حجي
قبل أسبوع فقط، كان يجلس في مكانه المعتاد، يضع عكازه أمامه، يسند ظهره إلى الحائط، ويستقبل المساء بالطريقة نفسها التي استقبله بها لسنوات طويلة. اليوم مررت من هناك، فلم أجد سوى طوبتين من الإسمنت تعلوهما قطعة كرتون باهتة التصقت بخشونتهما من كثرة ما حملتا جسده النحيل. لأول مرة شعرت أن للأشياء قدرة عجيبة على الاحتفاظ بأصحابها حتى بعد رحيلهم، وأن بعض المقاعد تعرف عن البشر أكثر مما تعرفه أقرب الوجوه إليهم.
لم أكن أعرف عن حياته إلا القليل. حينما سكنتُ الحي كان يعيش وحده. قيل لي إن زوجته رحلت منذ سنوات، ولم يخبرني أحد متى حدث ذلك، ولم يخطر ببالي يوما أن أسأله. كان له ابن بالتبني هاجر إلى أوروبا، تزوج هناك، وصار يعود مرة واحدة في السنة، ثم يغادر تاركا خلفه أبا عجوزا يواصل حياته بنفس الهدوء الذي يواصل به الغروب نزوله كل مساء….
كنت أجلس أحيانا مع شباب الحي في الزاوية المقابلة، فأراه يخرج في توقيت يكاد الناس يضبطون ساعاتهم عليه. يخطو ببطء، يحمل عكازه، يجلس فوق كرسيه الذي صنعه بيديه، ثم يثبت نظره في نقطة بعيدة. لم يكن ينظر إلى المارة، ولا إلى البيوت، ولا إلى حركة السيارات. كانت عيناه تسافران إلى مكان لا يصل إليه أحد غيره. ربما كانت الذاكرة قد اختارت لها مقعدا هناك، وبقيت تزوره كل مساء دون انقطاع.
أحيانا يخرج قطعة قماش صغيرة أخفاها داخل جلبابه، يرفعها إلى عينيه، يمسحهما برفق، ثم يعيدها إلى مكانها. كنت أراقبه طويلا، وأتساءل في داخلي عن سر تلك الحركة التي تتكرر كل يوم. ربما أثقل العمر جفنيه، وربما أرهق الضباب بصره، وربما كانت العينان تفرغان شيئا من حملهما بصمت، فهناك أحزان تبلغ من الكبر درجة تجعل الدموع نفسها تخجل من الظهور.
الغريب أن الحي كله اعتاد وجوده دون أن ينتبه إلى أنه كان يكتب جزءا من ذاكرته اليومية. بعض الناس يتحولون مع الزمن إلى علامة من علامات المكان. وجودهم يغدو مألوفا إلى درجة تجعل أحدا لا يسأل عنهم، ثم يرحلون فجأة، فيكتشف الجميع أن فراغهم أكبر بكثير مما كانوا يظنون…
بعد وفاته بأسبوع بقي الكرسي في مكانه. لم يقترب منه أحد. الطوبتان كما هما، وقطعة الكرتون ما زالت تقاوم الريح. شعرت أن سكان الحي جميعا يترددون في لمسه، وكأنهم يخافون أن يمحوا آخر سطر كتبه ذلك الرجل فوق رصيف عمره الطويل.
وقفت أتأمل ذلك المقعد طويلا. كم مرة احتمل تنهيداته الثقيلة. كم مرة استمع إلى صمته. كم مرة شعر بارتجافة يده وهي تستند إلى العكاز. الإسمنت لا يتكلم، لكنه يحتفظ بأثر الأجساد التي لازمته سنوات، تماما كما تحتفظ الصخور بأثر الماء بعد أن يجف النهر.
اقتربت أكثر، فرأيت الأرض ما زالت تحمل خطوطا متعرجة رسمها بعكازه. تذكرت أنه كلما طال صمته أخذ يحرك طرف العصا فوق التراب، يرسم دوائر ناقصة، وخطوطا متشابكة، وأشكالا لا تشبه شيئا معروفا. كان يفعل ذلك دون انتباه، كما يفعل كثير من الناس حين تستغرقهم الأفكار.
هذه الخطوط البسيطة طالما بدت لي أكثر صدقا من كثير من الكلمات. اليد حين تعجز عن حمل ثقل ما يدور في الداخل تبحث عن منفذ آخر، فتذهب إلى الأرض. الإنسان يرسم فوق التراب لأنه يشعر في أعماقه أن التراب وحده قادر على استقبال ما لا تستطيع اللغة حمله. لذلك تخرج الخطوط مرتبكة، متقاطعة، مترددة، لأنها صورة مباشرة لعقل يحاول ترتيب فوضاه، ولقلب يبحث عن منفذ يخفف به ازدحام الذكريات.
ربما كان يرسم وجه زوجته دون أن يدري، وربما كان يتتبع طريقا قديما سار فيه شابا، وربما كان يعد السنوات التي مرت عليه، وربما كان يحاول أن يمنح الانتظار شكلا مرئيا. الأفكار الثقيلة كثيرا ما تتحول إلى حركة صغيرة في الأصابع، والوجع الطويل يجد راحته في أثر خفيف فوق الأرض سرعان ما تمحوه الريح.
علماء النفس يتحدثون كثيرا عن الحركات اللاإرادية التي تصدر عن الإنسان حين يغرق في التفكير. الأصابع تعبث بالقلم، والقدم ترسم دوائر، واليد تخدش الطاولة، والعصا تحفر التراب. تلك الحركات لا تأتي عبثا، وإنما تخرج من مناطق بعيدة داخل النفس، من أماكن لا تصل إليها اللغة بسهولة. العقل يواصل التفكير، والجسد يترجم ذلك التفكير إلى إشارات صغيرة لا ينتبه إليها صاحبها.
تأملت تلك الخربشات، وفكرت أن الإنسان يقضي حياته كلها يبحث عن جواب لأسئلة لا يعرف حتى كيف يصوغها. يبدأ طفلا يرسم على التراب، وينتهي شيخا يرسم على التراب أيضا. يتغير العمر، وتتغير الملامح، ويبقى السؤال معلقا بين اليد والأرض.
العجيب أن آثار عكازه بقيت، بينما اختفى هو. اختفت أنفاسه، واختفى صوته، واختفى ظل جسده، وبقيت خطوط رفيعة فوق التراب تقاوم الزمن لبضعة أيام. شعرت يومها أن الإنسان لا يغادر دفعة واحدة، وإنما ينسحب ببطء، تاركا خلفه أجزاء صغيرة موزعة بين الأشياء؛ كرسي عند باب البيت، أثر قدم على الطريق، خدش فوق الجدار، مسبحة معلقة، فنجان لم يشرب منه أحد بعده، وخطوطا مبهمة فوق الأرض لا يفهمها أحد، بينما تختزن تاريخا كاملا من الصبر والفقد والانتظار….
رحل في صمت، وبقي المكان يواصل رواية حكايته بالصمت نفسه. الريح تمر كل صباح، تحرك قطعة الكرتون قليلا، ثم تهدأ. الشمس تشرق على المقعد الفارغ، وتميل عنه مع الغروب. أطفال الحي يركضون قربه، ولا يعرفون أن رجلا قضى سنوات طويلة يجلس هنا يخوض كل مساء معركة كاملة داخل نفسه، معركة لم يسمع لها أحد صوتا، ولم ير أحد غبارها، وانتهت كلها دون شاهد، سوى طوبتين من الإسمنت، وقطعة كرتون، وخطوط حفرتها عصا عجوز فوق تراب الحي، ثم تركتها للأيام شاهدة على حياة عبرت بهدوء شديد.

