بقلم د. إدريس الفينة
يصعب اختزال زيارة رئيس الوزراء الفرنسي إلى المغرب، مرفوقاً باثني عشر وزيراً، في إطار بروتوكولي أو دبلوماسي عادي. فهذا الحجم غير المسبوق من التمثيلية الحكومية يعكس تحولاً عميقاً في الرؤية الفرنسية تجاه المغرب، ويؤكد أن باريس تعتبر الرباط اليوم شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه في شمال إفريقيا وإفريقيا والفضاء المتوسطي.
لكن الأهم من الزيارة نفسها هو ما تكشفه من تغير في ميزان القوى. ففرنسا لم تعد تتعامل مع المغرب باعتباره مجالاً تقليدياً لنفوذها، بل مع قوة إقليمية صاعدة استطاعت خلال العقد الأخير تنويع شراكاتها مع الولايات المتحدة والصين وإسبانيا وألمانيا ودول الخليج، وأصبحت تمتلك هامشاً واسعاً للمناورة.
من هذا المنطلق، تبدو الزيارة محاولة فرنسية لإعادة التموضع أكثر منها مجرد تعزيز للعلاقات الثنائية. فباريس تدرك أنها فقدت جزءاً من نفوذها في إفريقيا، كما تواجه منافسة متزايدة داخل السوق المغربية، لذلك تسعى إلى تحويل التقارب السياسي الذي أعقب اعترافها بمغربية الصحراء إلى شراكة اقتصادية وصناعية وأمنية طويلة الأمد.
أما المغرب، فيدخل هذه المرحلة من موقع مختلف. فهو لا يبحث عن عودة الشريك الفرنسي بقدر ما يبحث عن شريك يساهم في بناء اقتصاد المعرفة، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعة، وتعزيز السيادة الاقتصادية. ولذلك فإن نجاح هذه العلاقة لن يقاس بعدد الاتفاقيات أو التصريحات، بل بحجم الاستثمارات المنتجة، ونسبة الإدماج الصناعي، ونقل الخبرات، وخلق فرص الشغل ذات القيمة المضافة.
الرهان الحقيقي أمام المغرب هو الحفاظ على سياسة تنويع الشركاء وعدم العودة إلى منطق الارتباط الحصري بفرنسا. فكلما ازدادت خيارات المملكة الدولية، ازدادت قدرتها على التفاوض وتحقيق أفضل الشروط.
إن الرسالة الأبرز لهذه الزيارة هي أن العلاقة المغربية الفرنسية دخلت مرحلة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة لا على الإرث التاريخي. ولم يعد السؤال: هل عادت فرنسا إلى المغرب؟ بل أصبح: هل يستطيع المغرب تحويل هذه العودة إلى رافعة لتسريع صعوده الاقتصادي والجيوسياسي؟
ففي عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، لن يكون الرابح هو من يوقع أكبر عدد من الاتفاقيات، بل من ينجح في تحويل الشراكات إلى أدوات لبناء القوة الاقتصادية والسيادة التكنولوجية وتعزيز المكانة الدولية. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب في المرحلة المقبلة.

