لماذا تفشل العديد من الاستراتيجيات؟

بقلم د. إدريس الفينة

تتكرر في المغرب ظاهرة تستحق التوقف عندها بجدية: كلما تغير الوزير، بدأ الحديث عن استراتيجية جديدة، وكأن الاستراتيجيات مرتبطة بالأشخاص لا بالدولة. والحقيقة أن الاستراتيجية ليست برنامجا انتخابيا ولا مشروعا شخصيا لوزير، بل هي رؤية وطنية طويلة المدى يفترض أن تستمر لعشر سنوات أو أكثر، وأن تخضع للتحيين والتقييم، لا للهدم وإعادة البناء مع كل تغيير حكومي.

إن إعداد استراتيجية قطاعية يكلف الدولة مبالغ مالية مهمة، ويستغرق أشهرا طويلة من الدراسات والتشاور والتحليل. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في جودة الوثيقة الاستراتيجية، بل فيما يأتي بعدها. فالكثير من القطاعات تتوقف عند إنتاج وثيقة أنيقة مليئة بالأهداف والمؤشرات، دون أن تنتقل إلى المرحلة الأكثر أهمية، وهي التنفيذ العملي.

فالاستراتيجية تجيب عن سؤال: إلى أين نريد أن نصل؟ أما مخطط التنفيذ العملي فيجيب عن سؤال: كيف سنصل؟ ومن سينفذ؟ وبأي موارد؟ وفي أي آجال؟ وكيف سنقيس النجاح؟

وهنا يكمن الفرق الجوهري الذي يغيب عن العديد من التجارب المغربية.

إن أي استراتيجية ناجحة ينبغي أن ترافقها مباشرة خطة تنفيذية مفصلة تتضمن، على الأقل:

* إعادة هيكلة المؤسسات عند الحاجة.
* تحديد الموارد البشرية المطلوبة، عددا وكفاءة.
* برامج تكوين وتأهيل الأطر.
* مراجعة القوانين والمساطر التنظيمية.
* توفير الميزانيات الضرورية وربطها بالأهداف.
* وضع مؤشرات دقيقة للمتابعة والتقييم.
* إرساء آليات للمحاسبة والتصحيح المستمر.
* والأهم من ذلك، قيادة عملية تغيير العقليات والثقافة التنظيمية، لأن مقاومة التغيير تعد من أكبر أسباب فشل الإصلاحات.

ومن خلال تتبع معظم الاستراتيجيات القطاعية بالمغرب، يصعب العثور على قطاع أنجز، بالتوازي مع استراتيجيته، مخططا متكاملا للتنفيذ العملي (Implementation Plan) بنفس مستوى الدقة والاحترافية الذي أعدت به الاستراتيجية نفسها. وغالبا ما يتم الاكتفاء بوثيقة استراتيجية عامة، ثم يترك التنفيذ للإدارات والاجتهادات الفردية، دون توفير شروط النجاح.

ولعل قطاع الفلاحة يقدم مثالا واضحا على ذلك. فقد عرف القطاع استراتيجيتين كبيرتين ومتتاليتين: مخطط المغرب الأخضر ثم استراتيجية الجيل الأخضر. وقد حققت كلتاهما مكتسبات مهمة في بعض المجالات، خاصة على مستوى الصادرات والاستثمارات وبعض سلاسل الإنتاج. لكنهما في المقابل واجهتا اختلالات واضحة في مجالات أخرى، أبرزها تدبير الموارد المائية، وتحسين أوضاع الفلاحين الصغار، وخلق فرص الشغل المستدامة، ورفع القيمة المضافة في عدد من الشعب.

واليوم، يجري البحث عن أسباب تعثر تحقيق بعض الأهداف، بينما يتم في كثير من الأحيان اختزال التفسير في عامل الجفاف وحده، وكأنه المسؤول الوحيد عن كل الإخفاقات. لا أحد ينكر أن المغرب عرف سنوات جفاف استثنائية أثرت بقوة على القطاع، لكن الجفاف كان ينبغي أن يكون جزءا من السيناريوهات التي أخذتها الاستراتيجية بعين الاعتبار منذ البداية، لأن التغير المناخي لم يعد حدثا استثنائيا، بل أصبح معطى هيكليا يجب أن تبنى عليه السياسات العمومية.

فالاستراتيجية الجيدة ليست تلك التي تنجح عندما تكون الظروف مواتية، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على الصمود والتكيف عندما تتغير الظروف.

ومن هنا، فإن تقييم أي استراتيجية يجب ألا يقتصر على قياس ما تحقق من أهداف، بل يجب أن يشمل أيضا تقييم منظومة التنفيذ نفسها. هل كانت المؤسسات مؤهلة؟ هل كانت الموارد البشرية كافية؟ هل توفرت الميزانيات في الوقت المناسب؟ هل كانت الحكامة فعالة؟ وهل كانت هناك آليات للتصحيح المستمر عند ظهور الاختلالات؟

لقد آن الأوان لأن ينتقل المغرب من مرحلة إنتاج الاستراتيجيات إلى مرحلة هندسة التنفيذ. فالمشكل الحقيقي ليس في ندرة الأفكار أو ضعف الرؤى، وإنما في غياب منظومة احترافية لتحويل تلك الرؤى إلى نتائج ملموسة.

فالنجاح لا تصنعه الوثائق المنمقة، ولا جودة العروض المقدمة أمام المسؤولين، وإنما تصنعه القدرة اليومية على التنفيذ والمتابعة والتقييم والتصحيح. وهذه هي الحلقة التي لا تزال غائبة في عدد كبير من السياسات العمومية المغربية.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.