سعيد حجي
تحت تلك الشجرة التي كانت تمد ظلها فوق حقل القمح، كانت تنحني هي كل بضع دقائق لتجمع ما تبقى من السنابل المتناثرة بعد الحصاد. ترفع رأسها قليلا، تمسح العرق بطرف المئزر الذي غطت به شعرها، ثم تعود إلى الانحناء مرة أخرى، وكأنها دخلت في اتفاق قديم مع الأرض، اتفاق لا يسمح لها بالتوقف حتى ينتهي النهار أو ينتهي الجسد. كانت خطواتها بطيئة، ويداها تحملان آثار السنين أكثر مما تحملان آثار العمل. كل شيء فيها كان يقول إن الزمن مر من هنا، ولم يمر برفق.
قبل خمسة أعوام فقط، كانت هذه الفتاة حديث القرية كلها. كانت الوجوه تلتفت إليها تلقائيا، وكانت الأحاديث تبدأ باسمها وتنتهي عند بيتها. كل شاب كان يعتقد أن قلبه سيكون الاستثناء، وأنه سيخرج من باب منزلها موافقا عليه. كانت الأمهات يتهامسن في الأعراس، وكانت النساء يراقبنها في الساقية، وكانت العيون تتبعها كلما عبرت بين الحقول. حتى الأطفال كانوا يعرفون أنها الفتاة التي يأتي الرجال من القرى المجاورة من أجل خطبتها.
صنعت القرية حولها هالة أكبر من عمرها. كل جمال يتحول في القرى الصغيرة إلى أسطورة، وكل أسطورة تبدأ بابتلاع صاحبها. حينما كانت تمرض يوما أو يومين، يقال إن العين أصابتها. حينما تتعثر فوق حجر، يقال إن التابعة أمسكت بها. حينما تتأخر عن الخروج، تبدأ القصص في التكاثر كما تتكاثر الأعشاب بعد المطر. أصبحت حياتها ملكا للجميع، ولم يعد أحد ينظر إليها باعتبارها إنسانة لها مخاوفها وأخطاؤها، انما باعتبارها حكاية يتسلى الناس بإعادة روايتها.
كان الخُطّاب يأتون تباعا، وكان الجواب واحدا.
ما زالت صغيرة.
مرت سنة، ثم أخرى.
ما زالت صغيرة.
بلغت الخامسة والعشرين.
ما زالت صغيرة.
كانت السنوات تمضي في الخارج، بينما بقي الزمن داخل البيت واقفا عند الجملة نفسها. أحد لم ينتبه إلى أن العمر لا ينتظر أحدا، وأن الفرص لها أعمار قصيرة، وأن بعض الأبواب تغلق بهدوء شديد حتى إن أصحابها لا يسمعون صوت إغلاقها.
كان كل من يغادر بيتها بعد الرفض يحمل معه جزءا من الحماس الذي جاء به. في البداية يعود بعد أشهر، ثم يعود بعد عام، ثم يختفي تماما. بعدها يتزوج فتاة أخرى، ويبني بيتا آخر، وينجب طفلا أو طفلين، ثم تصبح تلك الحكاية جزءا قديما من حياته. بعضهم نسي الأمر تماما، وبعضهم احتفظ بوخزة صغيرة في كبريائه، فتحولت الفتاة التي كان يتمناها بالأمس إلى اسم يذكره بسخرية كلما جلس مع أصدقائه. الإنسان حينما يعجز عن امتلاك شيء، يحاول في كثير من الأحيان أن يقنع نفسه بأن ذلك الشيء فقد قيمته.
مرت السنوات بسرعة مخيفة.
سرعة تجعل الإنسان يشعر أن الأمس كان قبل ساعات.
وجدت نفسها في الثلاثين.
في ذلك العمر بدأت الملامح تتغير بهدوء لا ينتبه إليه صاحبه كل صباح. التجاعيد الصغيرة تحت العينين لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تزحف مثل نبات بري يشق طريقه بين الصخور. خيوط الشيب لا تظهر في ليلة واحدة، وإنما تستيقظ كل أسبوع على شعرة جديدة، حتى يصبح الرأس يحمل فصولا كاملة من التعب. ازداد وزنها قليلا، وثقلت خطواتها، وخفت بريق الوجه الذي كانت القرية تتحدث عنه طويلا.
الغريب أن الناس تغيروا بالسرعة نفسها.
العيون التي كانت تتبعها في الطريق أصبحت تمر بجانبها دون اكتراث.
الأسماء التي كانت تتردد في بيتها انقطعت.
الأبواب التي كانت تطرق صارت صامتة.
القرية التي كانت ترى فيها أجمل بناتها، وجدت فجأة فتيات أصغر سنا، أكثر امتلاء بالحياة، أكثر قربا من أعمار الشباب الذين بدأوا يبحثون عن زوجات.
هكذا يتحرك العالم.
كلما ظهر وجه جديد، تراجع الوجه الذي كان يحتل الواجهة.
كلما أزهرت وردة أخرى، نسي الناس الوردة التي ذبلت أوراقها الأولى.
البشر يطاردون البدايات أكثر مما يحبون النهايات. يعشقون كل ما يحمل وعدا بالمستقبل، ويهربون من كل ما يذكرهم بأن الزمن يمضي فوق الجميع دون استثناء.
أكبر خدعة يرتكبها الإنسان في حق نفسه أنه يظن أن المكانة التي يعيشها اليوم سترافقه إلى آخر العمر. يعتاد التصفيق حتى يعتقد أن الناس خلقوا للتصفيق له، ويعتاد الالتفات إليه حتى يظن أن الطريق فقد معناه إن لم تلتفت إليه العيون. تمر الأيام، فيكتشف أن الحشود كانت تسير وراء اللحظة، ولم تكن تسير وراء الشخص. اللحظة ترحل، فتأخذ معها كل أولئك الواقفين على الرصيف.
كم من إنسان اعتقد أنه محور الحياة، ثم استيقظ ذات صباح فوجد أن الحياة أكملت دورانها من دونه.
وكم من شخص كان يملك فرصة واحدة تكفي لتغيير مستقبله كله، فأجلها يوما بعد يوم حتى ذابت بين أصابعه كما يذوب الثلج تحت شمس غشت.
كانت تنحني لتجمع القمح، ثم تعود إلى ظل الشجرة، تفتح القنينة الملفوفة بثوب مبلل، تشرب جرعات صغيرة، ثم تعود إلى الحقل مرة أخرى.
كنت أراقب تلك الحركة المتكررة.
ذهاب…
إياب…
ذهاب…
إياب…
حتى شعرت أن الإنسان يقضي نصف حياته وهو يجمع ما تبعثر منه، والنصف الآخر وهو يحاول أن يفهم أين ضاعت السنوات.
صنعتُ لنفسي براد شاي تحت الشجرة القريبة، وصببت كأسا أولى، ثم ملأت كأسا ثانية. كان البخار يتصاعد بهدوء، بينما كانت هي ما تزال تنحني فوق الأرض. خطرت لي فكرة ثقيلة، وهي أن التعب يغير معناه مع مرور العمر. في العشرين يكون التعب طريقا نحو الأحلام، وفي الثلاثين يصبح محاولة للحفاظ على ما تبقى، وفي الأربعين يتحول إلى وسيلة لتأجيل الانهيار.
الحياة تمنح الإنسان مواسم سخية، تفتح أمامه الطرق، وتضع في يده مفاتيح كثيرة، ثم تراقبه بصمت. بعض الناس يفتحون الأبواب في الوقت المناسب، وبعضهم يقفون طويلا أمام المفاتيح، يدرسونها، ويؤجلون استخدامها، ويظنون أن الأبواب ستبقى في أماكنها إلى الأبد. ثم يأتي يوم لا يجدون فيه بابا واحدا ينتظرهم.
كل فرصة لها ظل قصير.
كل قطار يتوقف لحظات ثم يغادر.
كل يد امتدت إليك قد تتعب من الانتظار.
وكل وردة، مهما بلغت من الجمال، تحمل في أعماقها موعدا لا يعرف التأجيل.
رفعت رأسي نحو الجبل الكبير الممتد في الأفق. كان واقفا منذ آلاف السنين، يرى أجيالا تأتي وأجيالا ترحل، ويرى الأطفال يصيرون شيوخا، ويرى البيوت تنهدم وتبنى من جديد، دون أن يتغير فيه شيء. شعرت أن الجبال وحدها تعرف الحقيقة كاملة؛ أن الإنسان يقضي عمره يطارد ما يظنه دائما، بينما كل شيء فيه مؤقت، الشباب، القوة، الإعجاب، الفرص، وحتى الأسماء التي كانت تتردد في المجالس، يأتي عليها يوم لا يذكرها أحد إلا عرضا، ثم تختفي كما تختفي آثار الأقدام بعد أول ريح تعبر الحقول.
بقيت أتأملها طويلا، بينما كانت تنقل آخر ما تبقى من السنابل إلى الكومة الصغيرة بجوار والدها. خطر لي أن العمر لا يعلن عن نفسه حين يمر، لا يطرق الباب، ولا يوقظنا من النوم ليقول إن مرحلة كاملة انتهت. يتسلل في صمت، يسرق من الوجه شيئا، ومن الروح شيئا، ومن الأحلام شيئا، ثم يمضي. وحين يلتفت الإنسان إلى المرآة، أو إلى صورة قديمة، أو إلى ذكرى بعيدة، يكتشف أن الذي تغير لم يكن اليوم ولا الأمس، وإنما سنوات كاملة انزلقت من بين أصابعه دون أن يشعر…
كانت هذه الفتاة تظن، كما يظن كثير من الناس، أن ما تملكه اليوم سيبقى معها زمنا طويلا. كانت ترى الخُطّاب يتوافدون، وترى الإعجاب يحيط بها من كل الجهات، فصار ذلك المشهد عاديا في نظرها، حتى فقد قيمته. الإنسان يألف النعمة بسرعة، ويعاملها وكأنها جزء من قوانين الكون، وينسى أن لكل نعمة أجلا، وأن كل موسم يحمل تاريخ انتهاء لا يراه أحد…
كم من باب أغلقه الإنسان بيده، ثم ظل سنوات طويلة يبحث عن المفتاح نفسه. كم من فرصة ودعها وهو يبتسم، معتقدا أنها ستعود غدا، ثم اكتشف أن الغد جاء وحده، وأن الفرصة اختارت طريقا آخر. الحياة لا تتشاجر معنا، ولا تنتقم، ولا ترفع صوتها، لكنها تمضي إلى الأمام دون أن تنتظر المترددين. والذي يتأخر عن قطارها لا يسمع سوى صوته وهو يبتعد شيئا فشيئا، حتى يختفي تماما خلف الأفق.
كنت أنظر إليها، وأتذكر تلك الفتاة التي كانت تمر بين بيوت القرية فتتباطأ الخطوات من أجل رؤيتها. أين ذهبت كل تلك الوجوه؟ أين اختفت تلك الوعود؟ أين أولئك الذين كانوا يطيلون الوقوف أمام بيتها؟ لقد ابتلعتهم الحياة، كما ابتلعتها هي أيضا. بعضهم صار أبا لأطفال يركضون الآن في الحقول نفسها، وبعضهم شاب شعره، وبعضهم ربما نسي أنها كانت يوما الحلم الذي كان يطارده.
أدركت أن الزمن لا يسلب الإنسان شبابه فقط، وإنما يسلبه أيضا المكانة التي يعتقد أنها ثابتة، والصورة التي رسمها عن نفسه، واليقين الذي كان ينام عليه كل ليلة. ثم يتركه وجها لوجه أمام الحقيقة المجردة؛ حقيقة أن الدنيا لا تحفظ لأحد دوره الأول، وأن الستار ينزل على الجميع في النهاية، ويصعد بعده ممثلون جدد إلى المسرح، بينما يجلس الذين كانوا يوما في دائرة الضوء بين المتفرجين، يتابعون المشهد بصمت…
رفعت كأس الشاي الأخيرة، ونظرت إليها مرة أخرى. كانت لا تزال منحنية فوق الأرض، تجمع ما تبقى من القمح، بينما كانت السنابل اليابسة تحدث صوتا خفيفا تحت قدميها. شعرت أن المشهد كله يشبه الحياة؛ في بدايتها تركض خلف الإنسان، تزين له الطرق، وتفتح أمامه الأبواب، وتغريه بأن الوقت طويل. ثم، من حيث لا ينتبه، تتبدل الأدوار. يبدأ هو بالجري خلفها، يحاول أن يلحق بما أفلت منه، أن يستعيد موسما مضى، أو كلمة لم يقلها، أو قرارا ظل يؤجله حتى انتهى أوانه.
غادرت المكان، وبقيت تلك الصورة عالقة في ذهني؛ فتاة كانت يوما حديث القرية كلها، ثم أصبحت امرأة تتقاسم مع والدها تعب الحقول، بينما تمضي الحياة حولها دون أن تلتفت. يومها أيقنت أن أخطر ما يفعله الزمن بالإنسان أنه لا يشيخه دفعة واحدة، بل يقنعه في كل مرحلة أن أمامه متسعا من الوقت، حتى يأتي اليوم الذي يكتشف فيه أن ما بقي من العمر أقصر بكثير مما مضى، وأن الفرص التي كان يؤجلها أصبحت ذكريات، وأن الوجوه التي كانت تنتظره تعلمت، هي الأخرى، كيف تواصل السير بدونه.

