السيادة المائية ومستقبل الاقتصاد الواحي: معوقات الانتقال نحو الفلاحة المستدامة في جهة سوس ماسة (طاطا أنموذجاً).

بقلم: سعيد ادعمي
عُرفت طاطا قديما بالاقتصاد الواحي الذي يعتمد على الزراعة المعيشية ضمن الواحة، وحيث كان السكان في أزمنة عدة يعتمدون على ما يُنتِجونه في الواحات خاصتهم، فإنهم يهتمون بها بمختلف الطرق الممكنة، بعيدا عن تلويث البيئة أو استنزاف المياه والإضرار بالفرشاة المائية.
فالاقتصاد الواحي يُمثل سابقا في طاطا العمود الفقري للاستقرار السوسيو-اقتصادي، حيث يعتمد على المجالات الثلاثة ؛ النخيل، الأشجار المثمرة، والزراعات العلفية والخضروات.
هذا النظام يجسد جوهر الاقتصاد الأخضر من خلال اعتماده على تدبير عقلاني للموارد المائية المحدودة عبر تقنيات “الخطارات” التقليدية ( حيث لا تزال مناطق في تسينت وتاگموت وفم زگيد وعدة مداشر في طاطا المركز وغيرها تعتمد على هذا النظام الذي لا يزال فعالا رغم الإشكاليات التي تصطدم معه..)،والري بالتنقيط الحديث، مما يحقق كفاءة عالية في استخدام الموارد. وفي ظل التغيرات المناخية التي تعيشها مختلف دول ومدن العالم، ومن ضمنها مدينة طاطا، تحولت واحات طاطا إلى مختبرات مفتوحة لتعزيز التنوع البيولوجي ومكافحة التصحر، حيث يتعين اليوم استثمار المجال الواحي ليس فقط لإنتاج التمور، بل كمنصة للسياحة الإيكولوجية وإعمال الطاقات المتجددة خاصة الطاقة الشمسية لضخ المياه والحصول على الطاقة النظيفة بالنظر لظروف المنطقة المناخية التي تعيش صيفا قائضا..، هذا الترابط سيحول الواحة من مجرد نظام دفاعي ضد القسوة المناخية إلى نموذج اقتصادي محلي مستدام منخفض الكربون يدعم القيمة المضافة للمنتجات المحلية، كمنتوحات مجالية، مع الحفاظ على الرأسمال الطبيعي للأجيال القادمة.ومن أهم ما يمكن الدفع به بالإضافة إلى ذلك هو ترسيخ فلسفة الاقتصاد الأخضر في عموم منطقة طاطا، مع تدعيم الاقتصاد الدائري كتوجه لإعادة تدوير مخلفات النخيل وتحويلها إلى أعلاف أو أسمدة أو استغلال مخلفات النخيل كمواد أولية صالحة للبيئة،بل صالحة لكي تكون موادا للبناء صديقة للبيئة..فالموضوع يتعلق بالأسمدة العضوية المحافظة على جودة التربة في مختلف الاتجاهات..
في الآونة الأخيرة تُواجه المنظومة الواحية بإقليم طاطا تحديات جمة سواء في الجانب الهيدرولوجي أو البنيوي، جراء التوسع غير المنضبط لزراعة البطيخ الأحمر،وهي زراعة دخيلة على المنطقة ، من مضارها استنزاف الفرشاة المائية وكأننا أمام وضع نُصدر فيه الماء وليس فقط المنتجات الفلاحية، في منطقة تعيش حرارة مفرطة في الصيف تتزايد كل سنة بفعل تداعيات التغيرات المناخية..!
وتتجلى خطورة هذا النشاط في كونه يعتمد بشكل مفرط على استغلال الفرشة المائية الباطنية مما أدى إلى اختلال التوازن المائي في كثير من مناطق المدينة،ذلكم التوازن الذي كانت تضمنه أنظمة الري التقليدية ك ” الخطارات” التي دامت لقرون من الزمن في بعض المناطق.
إن استنزاف هذه الاحتياطيات غير المتجددة من أجل إنتاج زراعي موجه للتصدير على هوى المستثمرين يطرح إشكالية أخلاقية وتقنية حول مسألة تصدير المياه الافتراضية، من مناطق تعاني أصلاً من الإجهاد المائي. هذا التناقض الصارخ بين نموذج الاقتصاد الإنتاجي ومبادئ الاقتصاد الأخضر يضع استدامة الواحات كإرث إنساني وبيئي على المحك، مما يستوجب تدخلاً استراتيجياً لإعادة توجيه الاستثمارات الفلاحية نحو زراعات أكثر تكيفاً وأقل استهلاكاً للموارد المائية، تماشياً مع مخططات التدبير المندمج للموارد المائية بالمغرب.فموضوع الاقتصاد الواحي ليس مجرد موضوع بسيط يمكن تجاوزه زمنيا، بل ينبغي التركيز عليه بشكل أكبر في المستقبل، مع ربط التجليات السابقة بالحاصلات الآنية، في أفق توعية السكان بمدى خطورة هذا التوجه الجديد على الأمن الغدائي المحلي والوطني، والدفع بكشف مخاطر الندرة المائية في منطقة تعاني من مناخ شبه صحراوي كمنطقة طاطا.
إننا نثمن القرارات العاملية التي صدرت من قبل السلطات في الإقليم، كما ندعو الجميع إلى اليقضة لتصحيح أمور عدة تتعلق أساسا بالوعي الجوعي في سبيل أقلمة الفلاحة المحلية بالاقتصاد الأخضر مع مراعات خصوصيات المنطقة التي لا يمكن أن يبقى فيها أي كائن حي بدون وفرة الماء، فمنطقة طاطا بحكم الظروف المناخية ليست هي طنجة أو تطوان ..!




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.