إعداد : حفيظ حاجي
إهداء: إلى الروائي رضوان إيار… الذي آمن بأن الحكي قادر وحده على إنقاذ ما تبقى فينا من نور، فكتب رواية تجعل من الحب حصناً في وجه الحرب، ومن الذاكرة جسراً نعبر به نحو حياة لا تليق بها الهزيمة ..
تقدّم لنا رواية «لم نمت… ذاك المساء» للكاتب المغربي رضوان إيار – أستاذ مادة الفلسفة بالثانوية التاهيلية بئر انزران الفقيه بن صالح – تجربة إنسانية مؤثرة تنبع من عمق الوجع الذي تخلفه الحرب في الأرواح قبل الأجساد. الرواية لا تروي فقط تفاصيل حكاية تدور في فضاء مضطرب بالدمار والحصار، بل تُعيد بناء السؤال الإنساني حول معنى الحب والذاكرة حين يفقد العالم اتزانه. شخصيات الرواية تنتمي إلى الحياة بجروحها: طالب فلسفة يحاول فهم العالم وسط الخراب، ومدرس موسيقى يصرّ على أن للأمل لحناً لا يخفت، وطالبة علم نفس تمسك بما تبقى من ثقة في أن النفس قادرة على الشفاء، حتى وهي مُحاصرة بالخوف.
يكتب رضوان إيار بلغته الرقيقة التي تجمع بين الصدق والعفوية، وتلامس القارئ بعاطفتها من دون تعقيد أو استعراض. الجمل تنساب مثل لحظة اعتراف طويلة، يختلط فيها الحديث عن الحب بقلق البقاء، فتبدو المشاعر في الرواية وكأنها الملاذ الأخير الذي يمنح الإنسان معنى الاستمرار. وفي خلفية كل ذلك، تحضر الحرب كقوة صامتة، تهدم البيوت ولكنها تعجز عن هدم كل ما يتشبث بالذاكرة من ضوء.

ما يميز الرواية أيضاً هو حضور الفلسفة بين أسطرها، ليس كخطاب ثقيل، بل كتأمل ينبعث على لسان الشخصيات وعلى شكل أسئلة بسيطة في ظاهرها عميقة في جوهرها: لماذا نحبّ؟ كيف نواصل الحياة حين تصير النجاة نفسها معركة يومية؟ وهل يمكن للذاكرة أن تنقذ ما تبقى فينا من إنسانية؟ إن هذا التداخل بين الفكر والسرد يعطي النص روحاً متجددة ويمنحه طابعاً خاصاً يمزج بين الحكاية والمتعة والتفكير.
ورغم أن الأحداث تدور في بيئة متعبة ومليئة بالوجع، إلا أن الكاتب يمنح القارئ فرصة لاستشعار جمال صغير وسط الضجيج: ضحكة متخفية، نظرة أمل، لقاء عابر يوقظ الإحساس بالحياة. فالحب في الرواية ليس ترفاً شعورياً، بل فعل مقاومة في وجه العدم، ومحاولة لإقناع الذات أن الروح لا تُهزم بسهولة.
وقد سعدتُ شخصياً بحضور حفل تقديم وتوقيع الرواية الذي نظمته جمعية الحياة الثقافية والفنية بالفقيه بن صالح بمناسبة افتتاح موسمها الثقافي، حيث كان النقاش غنياً وممتعاً، وزادني شرفاً أن أحصل على نسخة موقّعة بإهداء جميل من الكاتب نفسه. مثل هذه اللحظات لا تُقرّبنا من الأدب فحسب، بل تجعل علاقتنا بالنص أكثر حميمية ودفئاً، وكأننا نشارك أبطاله رحلتهم نحو الضوء.
تأتي هذه الرواية لتُذكّرنا بأن الحياة تستحق أن تُعاش حتى في أسوأ الظروف، وأن الإنسان قادر دائماً على التشبث بخيط رفيع من الأمل مهما ثقل الحزن على كتفيه. نصّ يفيض بالإنسانية ويترك في النفس أثراً دافئاً، ويُعرّفنا على صوت روائي يسير بخطى واثقة نحو مكانته ضمن خريطة الإبداع المغربي المعاصر، من خلال ما يكتبه أيضاً من نصوص وقصص تبرز عمق تجربته وصدق رؤيته.
إن رواية «لم نمت… ذاك المساء» ليست مجرد رواية عن الحرب، بل عن القلب الذي يرفض أن يستسلم. هي همس جميل يقول بثقة: ما دمنا نحب… فنحن لم نمت بعد …/

