بقلم الاستاذ صالح اليوسفي
متصرف تربوي
وادي زم
لم تعد المدرسة فضاء لنقل المعارف المجردة فحسب، بل أضحت مؤسسة مركزية في بناء الإنسان وصياغة ملامح المجتمع. فهي حلقة وصل بين المعرفة باعتبارها رصيدا إنسانيا مشتركا، وبين المشروع المجتمعي الذي يعبّر عن اختيارات الأمة وقيمها وتطلعاتها المستقبلية.
أولا: المدرسة بوصفها مؤسسة للمعرفة
تؤدي المدرسة وظيفة أساسية تتمثل في تمكين المتعلمين من المعارف والمهارات والكفايات، بما يسمح لهم بفهم العالم والتفاعل معه. غير أن المعرفة المدرسية لم تعد تختزل في الحفظ والتلقين، بل تقوم اليوم على:
تنمية التفكير النقدي والقدرة على التحليل والتركيب.
إكساب المتعلم مهارات التعلم الذاتي والبحث وحل المشكلات.
ربط المعارف النظرية بالتطبيقات العملية وسياقات الحياة اليومية.
بهذا المعنى، تصبح المعرفة أداة للتحرر الفكري وبناء الاستقلالية، لا مجرد رصيد امتحاني عابر.
ثانيا: المدرسة كرافعة للمشروع المجتمعي
المشروع المجتمعي هو مجموع الاختيارات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تحدد اتجاه المجتمع. والمدرسة، باعتبارها مؤسسة تنشئة اجتماعية، تضطلع بدور محوري في تجسيد هذا المشروع من خلال:
ترسيخ القيم المشتركة كالمواطنة، والعدل، والتضامن، واحترام الاختلاف.
إعداد المتعلم للاندماج الإيجابي في المجتمع والمشاركة في تنميته.
تكريس الهوية الوطنية المنفتحة على القيم الكونية.
فالمدرسة لا تشتغل في فراغ، بل تعكس تصور المجتمع للإنسان الذي يريد تكوينه: هل هو فرد منغلق، أم مواطن فاعل ومسؤول؟
ثالثا: التفاعل الخلاق بين المعرفة والمجتمع
قد ينشأ أحيانا تفاعل (شد وجذب) بين متطلبات المعرفة العلمية الخالصة، وانتظارات المجتمع الآنية أو الإيديولوجية. غير أن هذا التفاعل يمكن أن يكون خلاقا إذا أحسن تدبيره، وذلك عبر:
استقلالية المدرسة البيداغوجية مع وعيها بسياقها المجتمعي.
تحصين المعرفة من التوظيف الضيق، وربطها بالقيم الإنسانية الكبرى.
إشراك الفاعلين التربويين في بلورة السياسات التعليمية بدل الاقتصار على التنزيل التقني.
رابعا: المدرسة ورهان المستقبل
في ظل التحولات الرقمية، والتغيرات الاقتصادية المتسارعة، وتحديات العيش المشترك، ينتظر من المدرسة أن:
تهيئ المتعلمين لمهن المستقبل لا لوظائف الماضي.
تزرع لديهم المرونة، وروح المبادرة، والمسؤولية الأخلاقية.
تساهم في بناء مجتمع المعرفة، لا مجتمع الشهادات فقط.
إن دور المدرسة بين المعرفة والمشروع المجتمعي هو دور توازني بامتياز: فهي مطالبة بالحفاظ على عمق المعرفة ونزاهتها، وفي الوقت ذاته بالانخراط الواعي في خدمة مشروع مجتمعي ديمقراطي، عادل، ومنفتح. وعندما تنجح المدرسة في هذا التوازن، تصبح فعلا رافعة للتنمية، ومختبرا لصناعة المستقبل، لا مجرد بناية لتلقين الدروس.

