ذ سعيد حجي
يسعى الانسان، في هذا الزمن الرقمي المتسارع، الى أن يُرى، أن يُذكر، أن يُلتقط اسمه أو صورته في سيل التفاعلات، ولو في هيئة سخرية، في هيئة هزء عام، لا يهم، ما دام سيخرج من ظلمة النسيان الى ضوء أن يعرفه الناس ، حتى ولو كان ضوءا مزيفا وباردا. لقد صار الظهور غاية بذاته، والشهرة هدفا مجردا، منفصلا عن القيمة، عن المعنى، عن الجهد الذي كان يستحقها قديما…
الرغبة في الشهرة، حين تتحول الى هوس، هي ليست إلا صرخة صامتة تصدرها الذات من أعماق نقصها، من هشاشتها الداخلية، من تلك الفجوة التي لم تُملأ يوما لا بالحب ولا بالاعتراف ولا بالتقدير. من لم يُرَ طفلا، من لم يُسمع في بيته، من لم يشعر بوجوده بين الآخرين، قد يحمل هذا الجوع معه طيلة حياته، جوعا لأن يكون مرئيا، ولو كان في مرمى السخرية…
هذا ما يسميه علم النفس الوجودي “جوع الاعتراف”، وهو ليس إلا تجليا عميقا للاحتياج الانطولوجي للانسان أن يُشعر بالوجود من خلال نظرة الآخر. ولعل هيغل في جدليته الشهيرة حول “الصراع من أجل الاعتراف”، لامس هذا العمق حين بيّن أن الانسان لا يتحقق كذات واعية إلا حين يُعترف به كآخر حر وموجود. لكن حين يُحرم الانسان من هذا الاعتراف الأصيل، فإنه يبحث عنه بأية وسيلة، حتى ولو في أزقة التفاهة…
وهكذا، تتجسد الشهرة اليوم في مشاهد عبثية: رقص هستيري، تحديات غريبة، فضائح مصورة، تعرية داخلية وخارجية، فقط لأجل أن يقول الشخص لنفسه: “أنا هنا”، لا يهم بأي ثمن…
الشهرة الزائفة، كما يتناولها جان بودريار في تحليله للمجتمع الاستعراضي، هي ليست حضورا حقيقيا، بل محاكاة للحضور، صورة للوجود لا أكثر، فبدل أن يكون الشخص موجودا بذاته، يصبح موجودا كصورة، كأثر على الشاشة، كعدد مشاهدات، كموجة عابرة. وهنا يفقد المعنى وتبدأ التشييء: يتحول الانسان الى شيء، الى وسيلة لاكتساب لحظة ضوء في عالم مظلم من الداخل…
الشهرة التي تُطلب لذاتها، دون مضمون، دون مشروع، دون أثر حقيقي في الحياة، ليست إلا تغذية متواصلة لذلك الجرح الداخلي القديم. هي محاولة بائسة لتضميد هوية متآكلة، لذات تفتتت بين الطفولة والصدمات، بين التهميش والانكار….
ان من يدفع بكل ما فيه ليكون مشهورا، لا يبحث عن النجاح، بل يهرب من نكران الذات، من العدم الداخلي، من شعور مخيف بعدم الأهمية. ولذلك، فالشهرة التي لا تأتي كنتيجة لما تفعل، لما تمنح، لما تضيف، ليست إلا عبءا جديدا، قشرة رقيقة لا تلبث أن تتشقق…
الشهرة الحقيقية، لا تطرق بابك حين تلهث خلفها، بل تأتيك حين تنسى نفسك في شيء تحبه، حين تكرّس ذاتك لفكرة، لصنعة، لمعرفة، حين تكون منغمسا في المعنى لا في الصورة…
الشهرة ليست أن تُعرف، بل أن تحب. ليست أن تُشار، بل أن تُؤثر. وما سوى ذلك، مجرد زبد… يذهب جفاء.
وأسوأ ما في الشهرة الزائفة، أنها حين تنقشع، لا تتركك على حالك، بل تعريك تماما، تكشف حجم الفراغ الذي كنت تخفيه بالضوء، فيرتد ذلك الفراغ اليك على هيئة اكتئاب، عزلة، شعور مضاعف باللاجدوى…
ان الذين يصعدون على سلالم التفاهة، لا يعلمون أن القمة هناك ليست إلا منحدرا آخر نحو السقوط.
وكما كتب ايمانويل ليفيناس، في حديثه عن “الآخر”، ان قيمة الذات لا تتحقق في نظرها لذاتها، بل في مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الآخر، تجاه المجتمع، تجاه القيمة. من هنا، فالسعي خلف الشهرة دون وعي أخلاقي ليس إلا استجابة بدائية للهوى، لا تحقيقا لذات راشدة.
ابحث عن القيمة، لا عن الضوء. ابنِ أثرا، لا صورة
دع الناس يحبونك لما فيك، لا لما تفعله لتُرى.
فما أكثر الوجوه التي عُرفت… ثم نُسيت…!

