الخريف ليس فصلا في التقويم…

ذ سعيد حجي

الخريف ليس فصلا في التقويم، بل تأمّل زمنيّ في هشاشة الكائنات وتحوّل المعنى. حين تمشي تحت سمائه الرمادية، لا تمرّ في الطبيعة، بل تمرّ في داخلك. هو الفصل الذي تخلع فيه الأشجار زينتها لا موتا، بل استعدادا لفهم أعمق للوجود. كأن العالم ينزع عنه الزيف، ليتجلّى في هشاشته الخالصة. وكأن الحياة تخبرنا بصوت خفيض: النضج لا يكون إلا بعد الذبول…
في الخريف، لا شيء يُجبر على البقاء. حتى الأوراق التي قاومت الصيف تسقط بخفة تشبه اعترافا غير منطوق بفشل المقاومة أمام قانون التغيّر. هنا، الزمن لا يمرّ بل يتكثّف، والضوء لا يغيب بل يتوارى ليمنحنا مساحة لتأمل الذات وهي تتعرّى من أوهام الثبات. تماما كما قال هايدغر إن الوجود لا يُدرك إلا حين نواجه فنائه، فإن الخريف هو لحظة الوجود في حضرة التحوّل، حين تتعطل اللغة، وتتكلم الطبيعة من خلال رموزها…
الفلاح في هذا السياق، ليس مجرد فاعل اقتصادي، بل هو الذات القلقة، التي تشقّ الأرض كأنها تشقّ المعنى، تُلقي بالبذور في باطن الغيب، مؤمنا أن الخصوبة ليست فعل حاضر، بل إمكان مستقبل. أما الراعي الذي يعزف نايه في المساء، فليس عابر نغمة، بل هو صوت الذات في أقصى حالات انفرادها بالعالم، حين لا يعود للضجيج حضور، ويبقى فقط صوت الناي، ينداح في الفراغ، كنوع من البوح الجمالي…
وحين ترى النمل وقد اكتسب أجنحة، تدرك أن حتى الكائنات التي علّمونا أنها أرضية بالكامل، تمتلك لحظة طيران. كأن التحوّل، أو ما يسميه هيراقليطس بـ”لوغوس” الخفي، يصيب حتى أكثر الكائنات التصاقا بالمادة. هذا النمل الذي يحلّق لا يغيّر جنسه، لكنه يكشف عن إمكانية كامنة كانت تحتاج لحظة خريفية كي تتجلّى…
الرمزية هنا ليست زخرفة بل ضرورة وجودية. كل ورقة صفراء هي اعتراف بالهشاشة، وكل نسمة باردة تمرّ على الوجوه تذكير بأن الحياة لا تمنح الأمان، بل تمنح فقط فرصا متكررة للبدء من جديد. لذلك، يصبح الخريف في جوهره تمرينا أنطولوجيا على القبول، على أن تفقد دون أن تُكسر، وأن تنتظر دون أن تتبلّد…
الإنسان، في خريفه الداخلي، يشبه تماما هذه الطبيعة: يخسر أشياء ظنّها جزءا من كيانه، يرى صداقات تتساقط، أفكارا تذبل، أحلاما تتشقق. لكنه، وسط ذلك كلّه، يجد نواة صلبة، هوّيته العميقة التي لا تزهر إلا بعد هذا التخلّي الضروري. قال نيتشه في إحدى شذراته إن “كل ما لا يقتلني يجعلني أقوى”، لكن الخريف لا يقتل ولا يقوّي، بل يعلّمك كيف تعيش بلا وهم القوة، بلا وهم الديمومة…
إننا، حين نفهم الخريف كحالة وجودية، نكفّ عن رثائه كفصل كئيب، ونراه كما رآه كامو حين قال إن الخريف “ثاني ربيع حين تتحول كل ورقة إلى زهرة”. ذلك لأن الجمال لا يكون في الوفرة، بل في المعنى، والمعنى لا يُرى في التراكم، بل في الصمت والانتظار والانتباه…
في النهاية، الخريف ليس فقط طبيعة تتبدل، بل هو خطاب كوني في وجه السرعة، في وجه الاستهلاك، في وجه الكذب على الذات. هو عودة إلى الإيقاع البطيء للأشياء، إلى دورتها الحقيقية، حيث لا شيء يُعجّل ولا شيء يُؤخّر. فقط إيقاع الوجود، حين يُخلي المكان لما هو ضروري: التأمّل، الفقد، الانبعاث…
ومن لم يتعلّم من الخريف، لن يعرف كيف ينبت من نفسه حين تنقضي كل الفصول…




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.