معركة غير متكافئة…

ذ محمد نخال

توشَّحتْ بالسَّواد، وضَعت الكُحل في عيْنيها، فبَدَت كلَيْلٍ دامِس تنكر له القمر، شمَّرتْ على ساعِديْها، وأقْدمَتْ إلي مُهروِلة، كجَوادٍ جامحٍ يدُكُّ بحَوافِره حَصْباء الوادي، يسْبقُها عِطرها، كما تسبق الرياح العاتية زوْبعة هوْجاء، وجْنَتاها من احْمِرار، تَوهًّجَتا كبُركان مسْتَعر، دنَتْ حتى أصبحتْ قاب قوْسيْن منّي أو أدْنى، ثم مالَتْ علي بِقَدِّها المَيَّاس، حتى لفَحَتْني أنْفاسها، واكتَسَحني أريجُها، وكاد يُغْمى علي انْتِشاءً، ورمَتْني بطَرْف عيْنها الكحيل، فسَرى ثيارٌ عجيبُ بين جَوانحي، فتَرنَّحتُ كطريدة ذبيحة، وكِدتُ أفْقِد توازني، لولا أني تمالكتُ نفْسي، وتظاهَرتُ بأني جُلمود صخر، حتى لا تنْكشِفَ نقطة ضَعفي، وأصبح مَعَرّة العشاق، فتبسَّمَتْ بخُبثٍ حتى بانَتْ نواجِدُها، وقالتْ بعجْرَفَة غير عادية: أيّها “الزِّير سالِم” لعل قطار الهَوى قد فاتكَ، أراك تتَّبِع أساليب عتيقة في مُراودَة النّساء، أما تعِبتَ من تتبُّع خطواتي ومساري! ما لي أراكَ مند مدة تُراودني على خجل، تخطبُ ودّي، وتنسحبُ على عَجل، تَرمقُني بنظراتك من بعيد، ولا تجرؤ حتى على مجرد الاقتراب مني.
كم أشْفق لحالك! وأنتَ تبدو في تتبُّع مساري، كبَدَوِي في باريس، تثير الشَفقة كمتًسَوّل بين أزقة ‘أبي الجعد’ الضيّقة والدُّروب.
اليوم، هِيتَ لك! ها أنا ذا قد اختصرتُ لك المسافة، فأين المفر؟ إن كنت عازما على مُقارعتي، فأنت تغامر بدخول حرب غير مُتكافِئة، أنت خاسِر فيها خُسْرانا مبينا؟
أيها المتهور! عليك أن تضع في حُسبانك أنني أنثى غير عادية، أنا كُتلة من المشاعر المُتناقضة، بَين مشاعر حبي ومشاعر جفائي، انسِجام عجيب! فإن أحببْت أتعبْتُ، وإن جافيْتُ أرهقْتُ.
أيها المُغرم، أنا في الغرام قانون، فلا تسْتهِن بِبُنودي القاسية، أنا لكل ظمآن سَراب، أنا لكل ولهان عذاب، أنا جمر تحت الرّماد، متى هبَّت ريح العشق على فؤادي اشتَعل، فأضْرمتُ النار فيمن يهْواني.
ابتعد عني، وإلا سَرقتُ الكَرى من أجْفانك، وكتمتُ على أنفاسك، وتركتك جسدا بلا روح. لا تستهتِر بوداعَتي، فحين أبكي، أسْقي بدموعي حدائق الحَزانى، وحين أضحك، تنْفرج هموم العشاق، وحين أبتسم، تخْجل شمس الصباح، ويعاكسني القمر ويتنكر للنجوم. دمعتي نار تصهر الحديد، وابتسامتي رشفة ماء تحيي ميتا من جديد.
أنا بحر من العطف والحنان، أنا قيثارة من بلسم، من يُحسِن العزف على أوتاري، أسمعْتُه أنغاما تُرضيه، ومن يجهل العزف، جعلته أصمَّ، وضربتُ على سمعه سنين عديدة.
أنا عالم من الحنان، أحمي من أحب، كما تحمي الأم رضيعها، دون أن تنتظر المقابل، من ارتمَى بين أحضاني نام نومة الخلود، وأنا في النقيض، زوبعة هوْجاء لا تُبقي ولا تَذَر، أنا إعصار مدمر، أجتاح كل مغرور، أدمِّر ولا أبالي، لا أعود لمن خَذلني مرة، حتى لا أموتَ مرتين، فقلبي يشبه الوطن، يعْدِم خائنه، أو يقذف به في غيابات الجُبّ، فلا يُرى للناظرين.
أحذرك يا هذا! لا تقترب، فأنا مجنونة لا أكتفي، لا أشبع، لا أرحم.
مرت لحظة، وهي تسْرد على مسامعي مُتناقِضاتها، وتستعرض أمامي عنترياتها، وأنا فاغِر فمي، أجُوبُ تائها بين دهاليز عينيها الساحِرَتين، لا ألْوي على شيء، وقد سَحَرتْني حُمرة شفتيها، وتشرَّدَتُ بين حدائق وجنَتيها، أنتَشي بحديثها، وأسْتمْتع بقُربها، وأتلَذَّذ بشَدى عطرها، فهذه لحظة انتَظرتُها طويلا، وقد ظفِرتُ بها الآن، وعلي استغْلالها أحسَن اسْتِغلال، فربما لن تعود ثانية.
وفي لحظة، وبعد أن غاظَها سُكوتي، قالت غاضِبة: من أنتَ ؟ وماذا تبغي يا هذا!
مِلتُ إليها كما مالتْ، حتى كدتُ أضمّها لأكسر أضلعها، وقلتُ بلغة الواثق: واصِلي أيتها “البَسُوس” ففي حديثكِ قصائد غَزلية، واقْتربي ففي أنفاسكِ عطور بهية، وفي ابتسامتكِ تُعزَف سَمفونية سَرمَدية، وفي نظراتكِ بلسَمٌ لكل جِراح مُسْتعصية، فيا ليتَني كنتُ مراهقا حتى أطاردك مطاردة الأسود الضَّارية، لطريدة متهالكة في البرية، ولكني ناضجٌ، فاكتفيْتُ بإرسال رسائل غرامي عبر الأثيرِ، وها قد وصلتكِ سهام غرامي وأصابتكِ في مَقْتل، وها أنتِ الآن أمامي، تحاولين بعنترياتكِ الفارغة، المُكابَرة بإخْفاء مشاعركِ الجيَّاشَة نحْوي. فمهما تقاذفَتْني بحُور تناقضاتكِ، ومهما شرَّدَتني أمواج صوْلاتك، سأظل راهِبا في دير عشقك، وسَجينا بين دهاليز غرامك، وأعشق أن يكون قيْدي من خصلات شعرك، فكوني من تكُوني، وافعلي بي ماشئت، فلن أبرحَ عاكِفا في مِحراب هواك، ولولا أنني أريد أن أحتفظ بكِ للأبد، لكان لي معك شأن ثان، تبسّمَتْ ابتسامة مُستسلم، وضعتْ يدها في يدي، فعَمَّ الصمت بيننا، وسِرنا في رحلة مشتركة نحو غد جميل.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.