نقاءٌ في عالمٍ ملوث: تشريح الرمز والوجود قراءة نقدية لقصيدة منذُ أن تغربَلتِ النَّوايا الشاعرة فخر هواش سوريا
من إنجاز / ذ سعيد محتال
في زمنٍ تاهت فيه المعاني خلف ضجيج الواقع، وغرقت النوايا في وحل المصلحة والانغلاق، يأتي النص الذي بين أيدينا كنافذةٍ مفتوحة على عوالمٍ أكثر نقاءً، تحمل في طياتها حنينًا دفينًا إلى الطفولة، وصفاء الطبيعة، وأحلام الحرية.
يتخذ النص منحًى شعريًا نثريًا، ينسج من مفردات الحياة اليومية والطبيعة رؤىً فلسفية عميقة، تستدعي التأمل وتفتح مساحات واسعة للتأويل.
إنه نص يعيد تشكيل العلاقة بين النية والخيال، الطفولة والقصيدة، الغابة والإنسان، حيث تتقاطع الصور الشعرية مع الإحساس الوجودي، وينبعث منه صوتٌ داخلي حائر، لكنه لا يزال متمسكًا بالأمل في نقاء النوايا وولادة المعنى من رحم الألم.
في هذه القراءة، سنحاول الكشف عن طبقات النص الفنية والدلالية، وتتبع مساراته الرمزية، واستجلاء رؤيته للإنسان والعالم، من خلال عدسة نقدية تسعى للفهم أكثر من الحكم، وللإضاءة أكثر من الإدانة.
1- صراع النقاء والتلوث: تشريحٌ وجودي
– “تغربل النوايا”: بدءٌ جراحيٌّ يُلمِّح إلى عملية تنقيةٍ قاسية، كغربلة القمح من التبن. لكنَّ المفارقة أنَّ النقاء المطلق (الخالية من شوائب العصر) يقود إلى *جمود الضوء* — إشارةٌ إلى موت الإبداع حين تنفصل النوايا عن واقعها المتشظّي.
– “صرير الصدأ”: ليس مجرد وصفٍ سمعيّ، بل هو *تآكل الذاكرة الجمعية*. صوته يُوازي “ثغة الطّفل” في هشاشتها، وكأنَّ الزمن يأكل اللغة والبراءة معًا.
– “الغابة التي لم تعد تهمس”: تحوُّلها من الهمس (اتصالٌ حميمٌ بالطبيعة) إلى التغني (فعلٌ متكلَّفٌ) يعكس اغتراب الإنسان عن أصالته. تشبيهها بـ”امرأة وجلة” يكشف خوف الأمومة نفسها من عالمٍ يهدّد وليدها.
2. الطبيعة كرحمٍ ومقبرة: مفارقة الخلق والموت:
– “الأشجار تنجب الشعراء جزافًا”: ثمة سخريةٌ مبطَّنة. فالشعراء – رموزُ الإبداع – يُولدون *عشوائيًّا* كحصادٍ غير مُتوقَّع، ثم ترعاهم الأشجار في ظلّها (حمايةٌ مؤقتة). لكنَّ الظلّ نفسه قد يكون قبرًا للضوء.
– “تهويدة الموت”: التهويدة التقليدية (يالله ينام…) تتحوّل إلى *نشيدٍ جنائزيّ* بفعل السياق: “لا ذبحوا طير الحمام” – حمامة السلام تُذبح في المهد. الباب الموارب يُصفّق لثغة الطفل وكأنَّ العالم يستهزئ ببراءته.
– “بائعة الزهور على رصيف العافية”: الزهور – رمز الجمال – تُباع على رصيف “العافية” (كأنَّها دواءٌ نفسيّ). لكنَّ البائعة نفسها تجلس على حافة الوجود (“رصيف”)، تلتقط ابتسامةً يتيمةً كفضلاتِ فرحٍ ضائع.
3. النوايا الطيبة: بين السخرية والمقاومة:
– “مادامت الأعمال بالنيات”: تقطيع العبارة الدينية الشهيرة *يفكّك يقينيتها*. السؤال التالي (لماذا لا نوزع نوايانا؟) يكشف عبثية اختزال الخير في “نيّات” غير مرئية في عالمٍ يحتاج إلى فعلٍ ملموس.
– “تعليق النوايا على جدار المدرسة”: اقتراحٌ سورياليٌّ يختزل رغبةً يائسةً في *تحويل الأخلاق إلى فنٍّ عامّ*. تلوين الأطفال لشفاه النوايا بالأحمر القانيّ (لون الدم والثورة) يشي بأنَّ النوايا تحتاج إلى جرحٍ كي تُولد من جديد.
– “الابتسامة اليتيمة”: ليست مجرّد مشهدٍ عابرًا، بل هي *شظية إنسانية* تُختزل فيها كلُّ الوجع. التقاطها من قِبل بائعة زهورٍ — أيْ شخصٍ مهمّش — يقول إنَّ الخلاصَ يأتي من هوامش المجتمع لا مراكزه.
4. الهروب كفعلٍ ثوريّ: نحو شعرية الوجود:
– “نهرب من تيهنا”: الهروب هنا ليس جُبنًا، بل *تمرّدٌ على العبث*. سرقة “الحفيف من غابة المعنى” محاولةٌ لالتقاط جوهر الحياة (الحفيف = الصوت الخفيّ للحقيقة).
– “نثر غبار الطَّلْع”: الطَّلْع (لقاح النخل) رمزٌ للخصوبة. نثره على امتداد الوطن *محاولةٌ لتلقيح الأرض بالحياة* بعد جفاف الروح.
– “الحرية البيضاء”: بياضها يوحي بالطهر المطلق، لكنَّها “فاكهة” — أيْ ثمرةٌ يجب قطفها بشقِّ النفس. و*أوراق الدلب الأصفر* (شجرٌ ضخمٌ معروفٌ في المشرق) تسقط كجثثٍ على “صفحة الشعر الجاري” — نهر الإبداع الذي يَحمِلُ موتى وأحياءً معًا.
الخاتمة : الشعر كمقبرةٍ وولادةٍ متزامنة:
هذا النصُّ يُجسِّد “مأساة النقاء في عالمٍ فاسد”؛ النوايا المُصفّاة تتجمّد، والطبيعة تحاول تعويض غياب الإنسان فتُنجب شعراءَ مشوّهين، والأمومة نفسها تصير فعلاً خائفًا. لكنَّ الشاعرة ترفض الاستسلام:
– بتعليق النوايا كـ”لوحاتٍ” على جدار المدرسة، فهي تُحوّل الأخلاق إلى مشروعٍ فنّيٍّ تشاركيّ.
– بالتساقط كأوراق الدلب، تختار الاندماج في نهر الشعر، ليس هروبًا، بل تحوُّلٌ إلى كلماتٍ تُزرع في ذاكرة الكون.
كأنّها تقول: “إذا كان العالم مقبرةً للأحلام، فليكن شعري شاهدَ قبرٍ يزهر فوقها”.
سعيد محتال
المغرب
منذُ أن تغربَلتِ النَّوايا
وأصبحت خاليةً من شوائبِ
العصرِ تَجمَّدتِ بؤرةُ الضَّوءِ
على سطحِ بُحيرةِ الخيالِ
ومكَّنتِ الأشجار
من إنجاب ِ الشُّعراءِ جزافاً
ورعايتهم في ظلِّها.
لم تَعد الغابةُ تهمسُ
بوشوشةِ الرِّيح إلي
لكنَّها أصبحت تُغني
كامرأة وجلةٍ
تُهدهدُ طفلها
في سريرٍ قديمٍ
تدغم الحروف بأنَّةٍ
وتُظهرُ…..
(يالله ينام …يالله ينام……
لادبحلو طير الحمام ..)
هكذا يصفِّقُ البابُ المواربُ
لثغةَ الطِّفلِ كلَّما تلعثمَ
بقدميهِ الطَّريتينِ
وناغى الحمام
صرير الصدأ…
……
مادامتِ الأعمالُ بالنِّياتِ
لماذا لا نُوزِّعُ نوايانا الطَّيبةِ ،
نُعلِّقها على جدارِ مدرسةٍ
وندعُ الأطفال يلونونَ
شفاهها بالأحمرِ القاني
علَّها تفرجُ عن ابتسامةٍ يتيمةٍ
تلتقطها بائعةُ زهورٍ
كانت تجلسُ يوماً
على رصيفِ العافيةِ …..؟!
تعالَ نهربُ من تيهنا….
لنسترقَ الحفيفَ
من غابةِ المعنى
وننثرُ غبارَ الطَّلعِ على
امتدادِ وطن …..
علَّنا نصلُ إلى فاكهةِ الحرِّيةِ
البيضاء..
أو نتساقطُ كورقِ الدٌِلبِ الأصفر
على صفحةِ الشِّعرِ الجاري…….!

