آخر الأجيال التي مشت على الأرض دون أن تستعجل الحياة….

ذ سعيد حجي

ربما كان الجيل الذي عاش طفولته في التسعينات وبداية الالفينات آخر الجسور الهادئة بين عالمين، آخر الأجيال التي مشت على الأرض دون أن تستعجل الحياة، ودون أن تلهث خلف السرعة كأن الزمن يطاردها، كان جيلا يستيقظ على صوت المذياع لا على نغمة الهاتف، يكتب رسالة بخط يده لا بإبهامه، يقرأ خبرا في الجريدة لا في إشعار عابر، كان جيلا يتنفس ببطء ويفكر بعمق، يحب بشغف وينتظر بلا تذمر، جيلا آمن أن البدايات لا تكتب بالحروف الإلكترونية، بل باللقاء، بالنظرة، وبالارتباك الطفولي الذي لا يشبه شيئا مما نراه اليوم….
جيلنا كان آخر من حمل الرسالة قبل أن تسقط من يده وتدوسها أقدام الهرولة الحديثة. آخر من قرأ للمنفلوطي والعقاد، وطه حسين … ولم يفهم كلامهم كاملا، لكنه شعر بوجع كلماتهم. آخر من شم الورق وأحبّه لا لأن فيه معلومة، بل لأنه صديق، نحن من صدق ما قاله جبرا إبراهيم جبرا “الكتاب الجيد هو من يمنحك حياة”. ونحن كنا نبحث عن الحياة في زوايا المكتبات، لا في زوايا المنصات الاجتماعية…
جيلنا كان آخر من مارس الحب كطقس داخلي، كعبادة خفية، نكتب الرسالة ونمزقها عشر مرات، نختمها بـ”صديقك الوفي” أو “العاشق الولهان”، ولا نرسلها أحيانا، لأننا كنا نؤمن أن المشاعر لا تحتاج إلى إثبات سريع، بل إلى صبر وتراكم وتجربة…
لم نكن نشكو من الوحدة، لأننا كنا نملأها بالمعنى، لا بالضجيج. لم نكن نخاف من الفراغ، لأننا كنا نملأه بالقراءة، بالحوار، بالتأمل. أما اليوم، فالعزلة أصبحت مرضا، لأنها بلا فكرة. والقراءة فعل غريب، لأنها بلا جمهور. والصدق موضة قديمة، لأنه لا يحقق المشاهدات الكافية…
جيلنا لعب الكرة بشغف الأطفال، لا بحلم الاحتراف، كانت ملاعبنا ترابية وأقدامنا حافية، لكن قلوبنا مليئة، كنا ننتصر بلا جمهور ونخسر بلا لوم. نأكل أكلا بسيطا لكنه مشبع بالبركة، نقبل يد من يكبرنا لا لأننا نُجبر، بل لأننا نحب. كان الاحترام عادة لا سلوكا مؤقتا..
في زمننا، لم يكن الهاتف سيدا، بل كان زائرا، ولم يكن الوقت عدوا، بل كان رفيقا. كنا ننتظر بفارغ الصبر وقت المسلسل في التاسعة، لا نبحث عنه على اليوتيوب. كانت العائلة حاضنة حقيقية، وكان المرض سببا لزيارة جماعية لا لإرسال “إيموجي” حزين..
ولعل جيلنا كان آخر لحظة تشكل قبل أن تتكسر المرايا وتختلط الصور. لقد كنّا الجسر بين المعنى والسرعة، بين الجمال والسطحية، بين البساطة والابتذال..
نحن جيل احتفظ ببقايا النور في ذاكرته، نحمله كشمعة في نفق طويل، نحدّث الجميع عنه، لا ليحاكوه، بل ليعلموا أن الحياة كانت ممكنة دون أن تكون مسرحا دائما. أننا عشنا قبل أن نخاف من التأخير، أحببنا قبل أن نخاف من الرفض، كتبنا قبل أن نمحو أنفسنا خلف الشاشات..
جيلنا كان آخر من قال شكرا لمن علمه، وعذرا لمن أخطأ معه، ومساء الخير دون أن ينتظر ردا فوريا. نحن من تعلمنا أن الصمت أحيانا أكثر حضورا من الكلام، وأن الوحدة ليست دائما هزيمة، بل قد تكون وطنا مؤقتا كما كتب بدر شاكر السياب “الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام.. حتى الظلام هناك أجمل، لأنه يحتضن العراق”.
نحن لسنا جيلا أفضل، لكننا جيل مختلف. جيل ما زال يؤمن أن الدهشة تبدأ من قبلة على يد عجوز ، من حمل فتات خبز على الارض ، من تأمل نملة …
ربما كنا آخر جيل محظوظ …




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.