أعاد ملف نشرته مجلة لوبوان الفرنسية بعنوان “القبائل، شعب صامد” تفجير جدل سياسي وإعلامي واسع بين باريس والجزائر، في ظل العلاقات الدبلوماسية المشحونة بين البلدين. فالعدد لم يقتصر على استعراض التاريخ والثقافة، بل قدّم رواية سياسية وحقوقية عن نضال القبائل ضد التهميش والقمع، مرفوقا بأرقام وشهادات تثبت وجود عشرات المعتقلين من النشطاء، استنادا إلى تقارير منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش.
هذا الطرح أربك النظام الجزائري الذي ظل منذ الاستقلال يبني شرعيته على شعار “الوحدة الوطنية”، ويرفض أي نقاش قد يفسر على أنه تشكيك في الهوية الجامعة. فوسائل الإعلام الموالية سارعت إلى مهاجمة المجلة واتهامها بـ”التدخل الاستعماري”، غير أن حدّة الرد بدت اعترافا ضمنيا بأن مجرد فتح النقاش في منبر فرنسي مؤثر قادر على زعزعة صورة النظام داخليا وخارجيا.
في المقابل، استقبلت الجالية القبائلية في فرنسا الملف بكثير من الترحيب، واعتبرته كسرا للصمت الفرنسي المزمن حول القضية، خاصة أن باريس لطالما تجنبت الخوض في موضوع الهوية والأقليات تفاديا لتأزيم علاقتها مع الجزائر. غير أن هذا الحذر يبدو اليوم على المحك مع صعود أصوات إعلامية وحقوقية تؤكد أن القمع في منطقة القبائل لم يعد قابلا للتجاهل.
المفاجأة الأكبر جاءت من تصريحات فرحات مهني، زعيم حركة الماك ورئيس “الحكومة القبائلية في المنفى”، الذي أكد في تصريح لموقع “الصحيفة” أن الملف كشف حالة ذعر داخل النظام العسكري الجزائري، مبرزا أن فرنسا بدأت تقتنع بأن دعم حق الشعب القبائلي في تقرير مصيره هو الخيار الوحيد القادر على خلق توازن حقيقي أمام تعنّت الجزائر. وأوضح أن كل الإصلاحات الشكلية أو الاعتراف المحدود بالأمازيغية تبقى أوراقا بيد النظام لامتصاص الغضب، في حين أن خيار تقرير المصير يظل المسار الذي لا يمكن الالتفاف عليه.
ويرى مهني أن الرسالة الموجهة إلى المجتمع الدولي واضحة: القبائل ليست مجرد أقلية ثقافية، بل شعب له تاريخ طويل في المقاومة، ومن حقه أن يحدد مستقبله بنفسه. مؤكدا أن ما نشرته لوبوان يشكل بداية مرحلة جديدة من الاعتراف الدولي بقضية القبائل، مهما حاول النظام الجزائري القمع والتعتيم.
الجدل لم يقتصر على الجزائر، بل امتد إلى فرنسا، حيث انقسم الرأي العام بين من اعتبر الملف ممارسة طبيعية لحرية الصحافة، ومن رآه دعما غير مباشر لمطلب الانفصال. وفي حين رحبت مواقع قبائلية بفتح النقاش على صفحات مجلة كبرى، انتقدت ما وصفته بـ”نزعة استشراقية” في المعالجة تجاهلت أصوات القيادات المحلية.
هكذا، يجد النظام الجزائري نفسه في قلب مواجهة جديدة: فالقضية القبائلية، التي فجرت ثورات وانتفاضات سابقة مثل “الربيع الأمازيغي” سنة 1980 و“الربيع الأسود” سنة 2001، تعود اليوم إلى الواجهة عبر الإعلام الدولي. أما العنوان الذي اختارته المجلة، “شعب صامد”، فقد بدا كأنه اعتراف صريح بكيان سياسي وثقافي قائم بذاته، وهو ما تعتبره السلطة تهديدا مباشرا لأسس خطابها الوطني ووحدة سرديتها التاريخية.

