قصة “عمي الحنش” للأستاذ محمد الطايع : الظاهر والمضمر المسكوت عنه..

بقلم ذ محمد السعداني

هذه الحبكة المحكمة نجحت في سرد الرغبة المجهضة في مرايا الفقد والعبور من خلال هذا المتن القصصي القصير الذي يشتغل على ثنائية الداخل والخارج، ويمزج بين التجربة الفردية والتأمل الوجودي. فبواسطة مشهد عابر في محطة سفر، يُفجّر محمد الطايع عوالم من المعاني المتوارية، في نصٍّ يُلامس هشاشة الإنسان حين يصطدم بجمال لا يطال، وذكرى لا تُنسى، وزمن لا يستعاد.
حيث تبدأ القصة من لحظة بصرية خاطفة؛ امرأة غريبة خارجة عن المألوف، تسلب انتباه البطل وتقلب عالمه الداخلي. لكن هذا الحدث لا يتطور إلى حوار أو تفاعل، بل يتحول إلى محرك تأملي، يُعيد للرجل حياته كلها ؛من رغباته القديمة، إلى خساراته، إلى قلقه من الغياب والموت.
بيد أن المرأة لا تراه، لا تتكلم، لا تتفاعل. إنها ليست شخصية بالمعنى الدرامي، بل رمزٌ متعالٍ، مفعول به دائم. هذه اللاعلاقة تُكرس إحساس البطل بالعجز، وتضعه في مواجهة حادة مع هامشيته الاجتماعية والوجودية.
ثم يفتح الجسد عالما موازيا للتذكير والأسئلة، فكلما تأمل عمي الحنش جسد المرأة، انفتحت أمامه أبواب ماضيه: لالة حدهوم، العاهرات، الزوجة، الطفل الرضيع.
الجسد الأنثوي هنا ليس موضوعًا جنسيًا بل بوابة استعادة وتفكر، يربط بين الحاضر والماضي، بين الحياة والموت، بين الحب والغياب.
فلالة حدهوم، رغم كونها “قوادة”، تُقدَّم كأيقونة للرحمة، الملجأ، والحكمة الشعبية. إنها مؤسسة رمزية تضم المهزومين، واليتامى، والمشردين نفسيًا، وتفضح في ذات الوقت نفاق المجتمع الأخلاقي. هي أم بديلة للعاهرات، ومدفن للخيبات، وضريحٌ مفتوح لكل من لم يجد ضريحًا في قلب أحد.
وحتى يكشف الكاتب عبثية الوجود يدجج النص بسؤال محوري “لماذا نلتقي بأشخاص في أماكن لا رابط بيننا وبينهم؟”
هذا السؤال يكشف انشغالًا أنطولوجيًا بالمصير، بالقدر، وبعبث اللقاءات البشرية، كما لو أن الإنسان محكوم بسوء الفهم، وسوء التوقيت، والعجز عن الفعل.
من أجل ذلك فقد تم تقديم الزمن في القصة بعيدا عن كونه حركة تقدمية، بل كنزيف صامت. عمي الحنش لا يسعى نحو شيء، بل يتخبط في التكرار؛ دار لالة حدهوم، المرأة المفقودة، ذكريات الحليب والطفل، شاي على ناصية مقهى، ثم نوم، ثم صوت حمار ينهق. كل ذلك يُشير إلى دوامة من الركود الروحي والانطفاء العاطفي.
ومن حيث البناء السردي، فالقصة تعتمد على حدث واحد، وزمن قصير، لكن كثافة المشاعر والانفعالات تجعل منها نصًّا ثريًا بالتوتر الداخلي. إنها قصة حركة داخلية لا خارجية، حيث الرحلة الحقيقية تقع في القلب لا في الطريق. إذ تتشكل لغة السرد من مزيج بين الشاعرية الجسدية والتأمل الفلسفي، ما يمنح النص عمقًا مزدوجًا. أوصاف الجسد لا تُقصد للإثارة، بل تستخدم كأدوات رمزية لاستدعاء الفقد والتوق والأمل المجهض.
قبل أن أسدل الستار عن هذا التجذيف الحر في عالم سردي مليء بالتناقضات الخلاقة، أجدني مطالبا بالإشارة إلى شيء مهم؛ وهو المسكوت عنه في نص محمد الطايع، فالكاتب كما عودنا دائما في جل سردياته لا يقول كل شيء، إنه يخلق مجالا مغناطيسيا حول شخصياته، يقرأ تعويذته السرية على أسرار حبكته، ويغلق حرز المعنى ليرمي بمفتاح السر في عرض المعنى، فهل من متضلع يجيد السباحة في يم التأويل ليأتينا بالخبر اليقين؟
عندي يقين تام أن النص ليس كاملا، وأن فصولا ساخنة تم اجتزاؤها مراعاة لمقام القراء… لكن ثمة إشارات تحيل إلى ما لم يقل.
قصة عمي الحنش لا تحكي عن امرأة مثيرة في محطة نقل، بل تحكي عن رجل مكسور يبحث عن ومضة حياة وسط ركام الخيبة. تتحدث عن ذكورة مهزومة، لم تعد تملك سوى التذكر والتخيل. تفضح مجتمعًا مريضًا بالكبت، وبالزيف، وبالعجز عن المواجهة. تطرح سؤالًا عميقًا عن القدر واللقاء والمعنى.
المسكوت عنه هو الندم، الضياع، الرغبة المكبوتة، والوعي بأن الزمن مضى ولن يعود.
والمتواري خلف الحبكة هو قصة الإنسان البسيط في مواجهة العمر، والخسارات، والمرأة كرمز للممكن الممنوع.




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.