يثير مشروع إصلاح بيداغوجي جديد تعتزم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تنزيله ابتداء من الموسم الجامعي المقبل موجة من الغضب داخل أوساط الأساتذة الجامعيين، بعدما أبدت النقابة الوطنية للتعليم العالي، عبر فروعها الجهوية، رفضها لما وصفته بـ”الإصلاح الفوقي والمتسرع”، الذي يطال أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه.
ففي بيانات متعددة، عبرت النقابة عن إدانتها لما أسمته بـ”سياسة الأمر الواقع”، و”المنهجية الانفرادية” التي تعتمدها الوزارة في إعداد هذا التعديل دون إشراك حقيقي للشركاء المعنيين، وخصوصاً الأساتذة الباحثين وهياكلهم التمثيلية. كما انتقدت إحلال هيئات “استشارية” مثل ندوة رؤساء الجامعات وشبكة العمداء محل المجالس المنتخبة، معتبرة ذلك “خرقاً صريحاً لمقتضيات القانون المنظم للتعليم العالي”.
وفي هذا السياق، استغرب فرع النقابة الوطنية للتعليم العالي بمكناس-الرشيدية، في بيان له، الطابع “الاستعجالي” الذي يطبع هذا المشروع الإصلاحي، مشددا على ضرورة تقييم النظام الحالي بشكل علمي وموضوعي، يشارك فيه الأساتذة من خلال الشعب ومجالس المؤسسات والجامعات، قبل الإقدام على أي تعديل جوهري.
من جهتها، تقول الوزارة إن الإصلاح المقترح جاء بعد مشاورات مع العمداء، ويهدف إلى تجويد التكوين الجامعي وتعزيز الكفاءات المهنية واللغوية لدى الطلبة، إلى جانب تبسيط هيكلة البرامج وتيسير الولوج إلى سوق الشغل.
ووفق الوثائق الصادرة عن الوزارة، يتمحور المشروع الجديد حول عدد من التغييرات الرئيسية، أبرزها إعادة هيكلة الوحدات البيداغوجية، مع تقليص وحدات المهارات واللغات الأجنبية. إذ ستكيف وحدات المهارات لتلائم خصوصيات كل مسلك، مع إمكانية ترحيل وحدة “المقاولاتية” إلى سلك الماستر.
أما بخصوص وحدات اللغات، فسيتم تقليصها مع حذف شرط الاستيفاء، واقتراح إعفاء الطلبة المتفوقين في اختبارات تحديد المستوى، إلى جانب إحداث مراكز لغوية تطبيقية داخل الجامعات.
ويشمل الإصلاح أيضا تعديل آليات التسجيل والتنسيق البيداغوجي. ففي سلك الإجازة، سيسجّل الطلبة مستقبلا في جذوع وطنية مشتركة عوض المسارات مباشرة، مع تقليص هذه الأخيرة في تخصصات علمية مثل البيولوجيا والكيمياء والمعلوميات.
أما في سلك الماستر، فستبرمج مشاريع نهاية الدراسة بعد استكمال الفصول الثلاثة الأولى، بينما سيناط برئيس الشعبة مهمة التنسيق في سلك الإجازة، ويتولى أستاذ من الفريق البيداغوجي هذه المهمة في سلك الماستر.
ورغم ما تعد به الوزارة من أهداف تطويرية، إلا أن النقابة الوطنية للتعليم العالي تعتبر أن الإصلاح المقترح “يفتقد للرؤية التشاركية الحقيقية”، ويخشى كثيرون أن يؤدي إلى “نتائج عكسية” في غياب توافق واسع يضمن التملك الجماعي لأي تغيير يمس البنية البيداغوجية الجامعية.
وفي انتظار توضيحات رسمية من الوزارة وتقديم صيغ نهائية لهذا المشروع الإصلاحي، يبقى التوتر سيد الموقف بين الفاعلين داخل الحقل الجامعي، في وقت باتت فيه الجامعة المغربية في أمسّ الحاجة إلى إصلاح متوافق عليه، يوازن بين الجودة، والاستقلالية، والانفتاح على محيطها الاقتصادي والاجتماعي.

