في سياق دبلوماسي حافل بالدلالات، أثار غياب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن القمة التي عقدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، بمشاركة عدد من القادة الأفارقة، تساؤلات عميقة حول موقع الجزائر في الخارطة الجيوسياسية الجديدة، ومغزى هذا الإقصاء الرمزي في لحظة تتسم بإعادة تشكيل الشراكات الدولية والانفتاح الأمريكي المدروس على إفريقيا.
فبينما شارك في القمة رؤساء دول بارزون من القارة، مثل الرئيس الليبيري جوزيف بواكاي، والرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، ظل كرسي الجزائر شاغرا، لا لسبب بروتوكولي أو ظرف صحي، بل لأنها ببساطة لم تدعَ.
هذا الغياب لم يكن مجرد سهو دبلوماسي، بل يكشف عن فتور واضح، وربما قطيعة غير معلنة بين واشنطن والجزائر، ويطرح تساؤلات حول أسباب هذا التغييب، في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة انفتاحا استراتيجيا على إفريقيا جنوب الصحراء، وترتيبا جديدا لأولوياتها في شمال القارة.
لم يخفِ الرئيس ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض رغبته في بناء شراكات عملية وقائمة على تبادل المصالح، مفضلا التعامل مع دول تنتهج الوضوح وتقدم أوراق اعتمادها الجيوسياسية بشكل صريح. في المقابل، يبدو أن الجزائر لم تعد تمثل في نظر الإدارة الأمريكية شريكا موثوقا أو قابلا للرهان عليه في الملفات الإقليمية والدولية الحساسة.
فمواقف الجزائر المتقلبة، وعلاقاتها المتوترة مع جيرانها، خاصة المغرب، وسياساتها الاقتصادية المغلقة التي تفتقر إلى مقومات الثقة الاستثمارية، تُسهم في تهميشها المتزايد على الساحة الدولية.
كما أن خطابها العدائي تجاه بعض الشركاء الغربيين، وانحيازها المستمر لمحاور تجاوزها الزمن، لم يعد يجد آذانا صاغية في واشنطن التي باتت تفضل شركاء براغماتيين، يواكبون الديناميات الجديدة بدل الاستمرار في خطابات أيديولوجية من حقبة الحرب الباردة.
وفي الوقت ذاته، وقع الرئيس ترامب مرسوما يقضي بفرض رسوم جمركية بقيمة 30% على الصادرات الجزائرية نحو الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرت بمثابة صفعة اقتصادية مباشرة، تنذر بتدهور محتمل في العلاقات الثنائية، خاصة وأن القرار يأتي في لحظة حرجة يعيش فيها الاقتصاد الجزائري هشاشة غير مسبوقة بسبب تراجع عائدات المحروقات، واعتماده شبه الكلي على الريع، في ظل غياب بدائل إنتاجية حقيقية.
هذا المرسوم لا يمكن قراءته فقط في سياق سياسة الحمائية الاقتصادية الأمريكية، بل يتعدى ذلك ليكون مؤشراً سياسياً واضحاً على انزعاج واشنطن من بعض ممارسات النظام الجزائري، سواء في ملفاته الداخلية، أو في تعامله مع الشركاء الدوليين. فالرسوم المفروضة قد تكون أيضاً رسالة مشفّرة تعبر عن امتعاض البيت الأبيض من افتقار الجزائر لرؤية اقتصادية واضحة، ولانفتاح حقيقي على الأسواق والاستثمار الدولي، مما يجعل التعامل معها غير ذي جدوى بالنسبة للولايات المتحدة الباحثة عن شركاء موثوقين، لا عن دول تعيش على وقع العزلة الطوعية والانكفاء الإقليمي.
في المقابل، تظهر مشاركة رؤساء دول مثل موريتانيا وليبيريا مؤشرات واضحة على أن واشنطن بصدد إعادة هندسة خريطة أولوياتها الإفريقية، وفق منطق جديد يقوم على الانفتاح والتجاوب مع التحولات العالمية، لا على الاعتبارات التقليدية أو الرمزية. وموريتانيا، التي تعتبر جارة مباشرة للجزائر، تقدم اليوم نموذجاً لدولة تعمل على استقطاب الشركاء الدوليين في ملفات حيوية مثل مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني والاستثماري، بينما لا تزال الجزائر تراوح مكانها في خطاب ماضوي يُقصي الجميع ويُقوّي عزلتها.
غياب تبون عن قمة البيت الأبيض ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل هو عرض سياسي لحالة من التراجع الكبير للدبلوماسية الجزائرية، التي لم تنجح في استيعاب التحولات الجارية على الساحة الدولية. والإدارة الأمريكية في نسختها الترامبية الثانية لا تمنح الفرص عبثاً، ولا تهدر وقتها مع أنظمة لا تملك الجرأة على التغيير أو لا تظهر الحد الأدنى من الانخراط في منطق المصالح المشتركة. فالسياسة، كما يراها ترامب، لا تعترف بالمجاملات، بل بالنتائج والمواقف.
وفي هذا السياق، يبدو أن النظام الجزائري، بإصراره على إدارة الظهر للمجتمع الدولي، وبتبنيه خطاب العداء والتشكيك، يواصل السير نحو مزيد من العزلة، في وقت تتقاطع فيه المصالح وتتسابق الدول لإثبات جدارتها كشركاء في عالم متعدد الأقطاب.
أما الجزائر، التي تفتخر بتاريخها النضالي، فقد وجدت نفسها خارج طاولة القرار، ليس لأن الآخرين تآمروا عليها، بل لأنها لم تحجز مقعدها في الوقت المناسب، ولم ترسل الإشارات الصحيحة إلى من يهمهم الأمر. – تليكسبريس 2025

