نزار لعرج
..نحن اليوم أمام نصوص بلا شغف، بلا قلق، بلا سؤال. نصوص تشبه الورود البلاستيكية: جميلة في ظاهرها، لكنها بلا عطر، ولا رائحة موت. نصوص لا توقظ في القارئ سوى الرغبة في العبور… بل قد تدفعه أحيانا إلى حافة الغثيان، إلى العجز عن التفاعل أو التأويل، لأن لا شيء فيها يدعو إلى أن يُؤول.
بهذا أصبحت الكتابة عند البعض كأنين ريح في قنينة فارغة، دخان بلا نار، وحبر يُسكب لا ليقول، بل فقط ليُقال إنه كُتب.
تقول أورسولا كي لي غوين: “الكلمات أحداث، إنها تقترف أشياء وتُغيّر أشياء.”
لكن في زمن الاستهلاك اللغوي، أصبحت الكلمات تُستهلَك، تُكرّر نفسها حتى الاضمحلال.
لقد انتقلنا من كتابة المغامرة إلى مغامرة الكتابة.
إلى تلك المجازفة الوجودية في اللغة، التي تصبح الكتابة بموجبها فعلا مكشوفا للعدم. لكننا، عوض أن نعيش هذه المغامرة، أصبحنا نُنتج نصوصا فورية، مُعلّبة، لا تنبع من التجربة، بل من القوالب. اختفى الأثر الحي للذات الفاعلة، فظهرت السلع الزهيدة في سوق المعنى، تُستهلك كما تُستهلك الأشياء، وتُرمى كما يُرمى الزائد منها.
منذ زمن بعيد، كان الأدب مغلقا في فضاء المركز، تكدّست فيه الكلمات والمفاهيم التي رسمها التاريخ الثقافي والسياسي. لكنه، ككل الأشياء، لا يظل ثابتا. لقد بدأت هذه الحدود تنكسر، وبرزت أصوات كانت تُدفن في الهامش، أصوات تستعيد قيمتها اليوم، لأنها تكتب من موضع القلق، من التجربة، من التوترات الاجتماعية والوجودية.
وهكذا، حين تفشل الكتابة “البلاستيكية” في تشكيل أي توتر، ينجح الأدب الهامشي في إعادة المعنى إلى اللغة، في تحويل الهامش إلى مركز للقول الصادق، للفعل الجمالي.
وهنا يحضر موريس بلانشو ليضع إصبعه على جوهر هذا الفراغ الوجودي حين يقول:
“إنه من الوجود إلى العدم على سبيل المثال، ولكن، ما الذي يفصل بين المتعارضين؟ إنه عدم أكثر جوهرية وأهمية من العدم ذاته، إنه الفراغ الذي يوجد بين – بين، وهو الفاصل الذي ما يلبث يتعمق ويتسع، وهو اللاشيء.”
(أسئلة الكتابة، ص24)
ذلك “اللاشيء” هو ما تفتقر إليه النصوص البلاستيكية: الفراغ الحي الذي يولّد المعنى لا يبتلعه. النصوص التي بلا عمق، تفتقر للفراغ. والتي بلا تردد، ينقصها القلق.
لذا اختارت هذه الكتابات أن لا تسير في الممر المظلم للكتابة، واكتفت بالتفرج على عتبة المعنى..
(من مقالي النقدي: في مديح الغوغاء)

