حكايات ليال ملاح: ● حظ الليلة العاشرة (الجزء الأول1)

رحال لحسيني

حين تطفو الأزمات، ترتقي الذكريات، تشتد زوابعها، تطوف قاسية كسعير ريح صرصر عاتية، تخترق ذهنك، تشد رحالها بين صدغيك، تذهب وتجيء كهواء صيف ساخن.

تعاركها، تبسطها، تفتتها وتجمعها. تؤنبها ثم تضمها إلى حضنك كطفلة باسمة تحبها بعطف أبوي.

لا تفارقك الأشجان، تبعدها عنك بجلد وصبر نبيل، تشغل خيالك بأشواق طرية مغايرة ممكنة، لكنها لا تنفك أن تقترب من هوى مسامعك وأنفاسك، تشم رائحة حرائقها في روحك. كأنها لا تريد المغادرة.

تسأل نفسك:
لماذا… ؟
لماذا يقع لك هكذا؟
ولماذا أنت؟

تشعر كأنك عرضة لضربات ملتبسة لجهات ما، ظاهرة أو خفية، أو أنك مستهدف من طرف “قدر غامض”، حتى وإن كنت لا تؤمن بذلك، قد تصاب للحظات بدوار مثل هذه الأسئلة الكامنة في ثنايا “حظك العاثر” الناتج عن وهم استهدافك أو تلقائية تصرفك أو سوء تفاعلك مع ما يحيط بك.

الصداقة، الصحبة الوافرة الظلال، العلاقات الإنسانية عموما لا يمكن التحكم في مساراتها بمنطق ما تمنحه من ود جميل وعطاء دافئ، أو ما تبذله من جهد أو تضحيات باذخة.
قد تعصف بها أية برهة تذمر، أو ردة فعل من عدم القدرة على التحمل أو لحظة إزعاج أو غضب عابرة، وترمي بطيبتك في مهب الريح (قد تكون أنت كذلك أقل من انتظارات أشخاص آخرين منك).

قد يتبخر كل شيء أمامك، حتى الهدوء الذي راكمته في زاوية ما من روحك لتلجأ إليه، “كلما اشتقتَ إليكَ”، قد لا تجده في ثوب مكانه المطرز بالحب.
* * *

على عكس اتجاه متمنيات وأحداث الليلة السابقة، وتوقعاته وأشواقه بأن تجنح أخيرا للسكينة والهدوء، بعد حروب صغيرة أنهكت جسده وروحه. لم يجد لها من داع، إلا تحمله الوفير لشغبها السخي ومراوغاتها الغنية واستعدادها لنسف ما يعتقد أنه عشق مرير لها.

بعد ليلة صاخبة بالحلم، جامحة البهجة والفرح المشتهى. “شهرزاد” تتكئ على جانبها، أصابع يدها اليمنى تلعب بخصلات شعرها المسدل كنهر جارف، كأنها تنسج منها حكايتها الجديدة، وتواصل سرد عباراتها الباردة.

ترسم ابتسامة غامضة على شفتيها وتفاصيل وجنتيها. يدها اليسرى تغطي ملامح جسدها بثوب يسقط عنها كل حين. وكأنها تريد ان تزرع شجنا ساطعا في عينيه، كقمر مشع في سماء ليلة كئيبة، تصر على وأد ما تبقى من قدرة احتمال ممكن لديه، كأنها غير معنية بما تغرسه في خاطره من حزن. كأنها تخاطب شخصا لا تؤلمه، لا تضع قلبه الطفولي تحت قدميها الناعمتين وتتسرب بحفيفهما كأفعى وسط حشائش خضرة ربيع ناعم في غابة الخيال.

تواصل سرد وصيتها على مسامعه: “قد تهتز سكينتك من حيث لا تريد، لكنك مطالب بأن تتحدى خيباتك لتجاوز صدمات نكران الجميل أو الخيانة أو الهجر..”.
حاول مقاطعتها، لإعادة ترتيب سياق حكايتها. أوقفته بلطف واضافت: “تذكر أزمات سابقة حلت بك أو بمحيطك.. ومرت. ربما اعتقدت أنها لن تمر، وكأن وجودك ينتهي في حضورها..”.
ثم مشت فوق منافذ فؤاده تفجر ينابيعه الهادرة.

5 أكتوبر 2023

(يتبع)
////




قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.